المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شبكات الأمان الاجتماعي هل ترفع مستويات المعيشة في العالم؟


Majid
October 11th, 2009, 07:28 AM
شبكات الأمان الاجتماعي هل ترفع مستويات المعيشة في العالم؟
* الغرب يصدر نظم الضمان المالي للبلدان النامية
* تفوق المسلمين بالصدقات والأعمال الخيرية



القاهرة ـ من حسام محمود*
تعد شبكة الأمان الاجتماعي علامة فارقة للتحضر, وركيزة رئيسية من ركائز المسئولية الاجتماعية للدول , وهي مسئولية تعلو علي جميع الأيديولوجيات, لأنها ترتبط بالاستقرار السياسي والاجتماعي‏ ,‏ وبمفهوم دول الرفاهية الساعية لتوفير الحد الضروري من متطلبات الحياة, والوجود لكل مواطن بغض النظر عن إمكانياته.
استراتيجيات التأمين
تحولت شبكات الأمان الاجتماعي إلى جزء أصيل من الفكر الإنساني الحديث بالرغم من أعبائها المالية, وتوسعت العديد من الأقطار الرأسمالية في أوروبا في صور الضمان الاجتماعي, ومساندة أصحاب المعاشات, والأقل دخلا لمواجهة أعباء الحياة, حتى كادت أن تفوق المطبق في البلدان الاشتراكية, ودخلت أميركا إلى حلبة الضمان الاجتماعي بشدة, وأضافت إليها محور التأمين الصحي‏.
وبالمنطق الرأسمالي , فشبكة الأمان الاجتماعي التي تشرف عليها الحكومات, وتتحمل جزءا مهما من تبعاتها الموازنات العامة للدول لم تحرم العاملين بالقطاع العام , وقد كانت مزدهرة في أوروبا الغربية وأميركا في الثمانينيات من خلال الاشتراك في نظم للمعاشات , وللتأمين الصحي إضافية تحقق للمشتركين المزيد من المزايا خلال فترة العمل ‏,‏ وتصبح رافدا رئيسيا للمساعدة عند التوقف عن العمل , وكذلك الحال بالنسبة للعاملين بالقطاع الخاص, وتحولت صناديق المعاشات إلى كيانات عملاقة على الأخص في الولايات المتحدة, وامتلكت واستثمرت مئات المليارات من الدولارات.
وفي عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر , تعرضت الولايات المتحدة لأزمة حادة نتيجة لارتباط جانب مهم من أعمالها بالرهن العقاري , وخسر أصحاب المعاشات جزءا كبيرا من مدخراتهم نتيجة الاستثمارات عالية المخاطر التي تدار بها صناديق المعاشات, وكان السند الباقي هو شبكة الأمان الاجتماعي التي توفرها الحكومات لجميع العاملين بالقطاع العام, وتمتد أيضا إلى القطاع الخاص بشكل إلزامي , عندما يصل عدد العاملين في المنشأة إلى عدد معين, وكذلك تشمل أصحاب الأعمال الصغيرة, والمهن الحرة المختلفة ‏. ومع ارتفاع العجز بالموازنات العامة في الدول الصناعية الكبرى ظهرت سياسات التخفيض والإعفاء الضريبي الواسع, وما أدت إليه من نقص كبير في إيرادات الحكومات الفيدرالية, وما أعقبها من تحذيرات الرأسماليين من الإفراط في تدخل الدولة في الاقتصاد, وخطورة ذلك على حرية السوق والأعمال, وتعطيلها لقوى السوق القادرة علي التصحيح, للتغلب على المشاكل التي قد تكشفت أخطاؤها .
وحاول جورج بوش الابن تعديل قواعد شبكة الأمان الاجتماعي بأميركا, ودفع بها في اتجاه الخصخصة, وتعميم المعاملات والتوظيف والاستثمارات الأكثر مخاطرة, بحجة إمكانية رفع الكفاءة, والعوائد, ولكن التجارب المريرة في السنوات السابقة أفشلت الخطط, ومنعت تنفيذها في ظل رفض واسع النطاق للعاملين والمتقاعدين‏. ولم تجد الرأسمالية, وراعيتها الكبرى أميركا إلا تصدير هذه الأفكار إلى الدول النامية, وتكثيف تطبيقها في أميركا اللاتينية , بوصفات البنك الدولي , وصندوق النقد الدولي .
ومع الانهيار الاقتصادي العالمي الكبير في النصف الثاني العام الماضي , وزلزال الانحراف المالي , وفساد العديد من المؤسسات المالية الغربية, وصناديق الاستثمار , والتحوط في المشتقات المالية, والرهون العقارية, وغياب سلطات الدول عن الرقابة , فإن خسائر صناديق المعاشات الخاصة في أميركا وحدها خلال الأشهر الستة الأخيرة من عام‏ 2008‏ وصلت لأكثر من تريليوني دولار تبخر معها الجانب الرئيسي من أرصدة أصحاب المعاشات ومدخراتهم , وكذلك الحال في الاتحاد الأوروبي ‏,‏ حتى أن تقديرات مجلة الأيكونوميست البريطانية أكدت فقد أصحاب المعاشات هناك الجانب الأكبر من مدخراتهم‏,‏ والأرباح التي تحققت لسنوات طويلة.
وفي هذا السياق الدولي المضطرب , فإن طرح أية مقولات عن خصخصة شبكة الأمان الاجتماعي تحت مظلة الرأسمالية ‏,‏ ونصائح البنك الدولي بشكل مباشر, ومن صندوق النقد الدولي بشكل غير مباشر يمكن دراستها, لكن بتأني, خاصة مع التحذيرات المتصاعدة من مخاطر الاستثمارات عالية المخاطر, وفي مقدمتها استثمارات المشتقات , والبورصات ‏,‏ مع ضرورة الحرص الشديد علي الاستثمار الآمن‏,‏ وتوفير الاستقرار الكامل لقواعد شبكة الأمان الاجتماعي للدولة وعوائدها‏, وحقوق أصحاب المعاشات بالصورة التي تضمن لهم الحياة الكريمة, وتجنبهم الوقوع فريسة للكوارث الاقتصادية.
التكافل الاقتصادي
لا يزال الفكر الليبرالي يميل إلى دعم مبدأ الضمان الاجتماعي ‏,‏ واستمرار نظام التأمينات إلزاميا ‏,‏ لتوفير حد أدني من الدخل بعد التقاعد‏,‏ كما لا تسبب الأعباء التي يفرضها النظام المالي قلقا كبيرا لأنصار هذا الفكر علي أساس مسئولية الدولة, والثقة في استمرار النمو من خلال تدخل الحكومات للرقابة , أما التيارات المحافظة, فتعتقد أن الضمان أصبح مصدرا لتضخم دور الحكومة في النشاط الاقتصادي‏,‏ وأن الأوضاع ستكون أفضل إذا لم يتم إجبار العاملين علي دفع ضريبة علي الأجور‏ كاشتراكات التأمينات,‏ وأن يتم بدلا من ذلك تشجيع التوفير من خلال الادخار والاستثمار بمصادر دخول عند التقاعد‏,‏ وهي الدعوات التي ترجمت فيما بعد إلي خصخصة نظام التأمينات ‏,‏ بمعني نقل المسئولية إلى العاملين الراغبين في الحصول علي معاشات عند التقاعد‏,‏ بدلا من تحمل المجتمع هذه المسئولية.
ورغم أن هذه المشاكل تواجه الدول المتقدمة بحكم التطور الاقتصادي والاجتماعي متمثلة في تحديث دور الدولة‏ ,‏ وتطور الأوضاع الديموغرافية والعولمة, والمصاعب المالية‏,‏ إلا أن طرح الأفكار كان حذرا‏,‏ وكان التطبيق مرحليا وجزئيا بالغرب‏‏,‏ حيث تمت التجربة الأولي في شيلي, ثم بلدان أميركا اللاتينية والوسطي والكاريبي‏,‏ وتم إدخال نظام الحسابات الفردية‏ . أما اليوم, فتشترك قوى العمل بالمجتمعات النامية في مثل هذا النظام لتوفير مزايا شهرية مناسبة عند التقاعد ‏,‏ ولم يعد خافيا الآن فشل بعض نظم خصخصة التأمينات الاجتماعية ‏,‏ وقد أعلنت بعض الحكومات إدخال العديد من الإصلاحات التي تستهدف زيادة دور الدولة في الضمان الاجتماعي‏.
وعلى صعيد الدول المتقدمة , خاصة بأوروبا واليابان, التي تواجه تحديات مالية أخطر‏ ,‏ فقد بدأت تطبيق نماذج خاصة بكل دولة تقوم على حسابات الادخار الخاصة , كخصخصة جزئية لا تلغي النظام العام الأساسي, ولا تقيده, ولا تقلل مزاياه, لكن لا تزال الولايات المتحدة بعيدة عن الخصخصة‏ التأمينية,‏ رغم الدعوات التي بدأها بوش منذ عام ‏2005,‏ لكنها لم تر النور‏,‏ ولا يزال النظام الأميركي للضمان الاجتماعي قائما على الدفع عند الاستحقاق. ولعل أهم عيوب خصخصة التأمينات الاجتماعية أو ما يعرف بالحسابات الادخارية الخاصة هو ارتفاع التكاليف لإدارة النظام , في الوقت الذي تمتاز فيه نظم التأمين الحكومية على أساس الدفع عند الاستحقاق بانخفاض كبير في مصاريف الإدارة‏,‏ التي تبلغ في الولايات المتحدة ‏1%‏‏,‏ في حين كانت التكاليف الإدارية بالبلدان الفقيرة والنامية‏ 19%‏‏‏.‏
تحديث الهياكل
لا تعاني الدول العربية حاليا من الضغوط المكثفة التي تشهدها نظم الضمان في نظيراتها المتقدمة , وهي ذات مزايا مرتفعة التكاليف , يضاف إلى ذلك جانب مهم يرتبط بأن مشاكل نظام التأمينات الاجتماعية في الدول المتقدمة , وبعض الأقطار النامية تنبع من التحولات الديموغرافية للسكان مع تزايد متوسط العمر, وارتفاع نسبة أصحاب المعاشات, وتراجع نسب الشباب , وبالتالي نسب العاملين , وهي عناصر أدت لتراجع الفوائض , وتعرض الصناديق للعجز‏,‏ الأمر الذي يتم مواجهته بالعديد من خطط الإصلاح‏,‏ حيث عمدت معظم دول أوروبا واليابان, التي تواجه تحديات خطيرة إلى تطبيق سياسات خاصة بظروف كل دولة تقوم علي حسابات الادخار.
ويلاحظ أن بعض الدول النامية خاصة في أميركا اللاتينية , التي تحولت إلى الخصخصة‏,‏ أصبحت تعاني معظمها من مشاكل عديدة‏,‏ في الوقت الذي يتوافر لديها احتياطيات نقدية هائلة, يمكن استثمارها بتعديل النظام العام من التمويل الكامل إلى الدفع عند الاستحقاق, وتحتاج الأوضاع الديموغرافية في الشرق الأوسط, ومستقبل التنمية فيه‏,‏ لزيادة مستويات التشغيل, وتغيير السياسات مع تطور الأوضاع الاجتماعية‏,‏ بينما تأتي دعاوى الإصلاح لنظم التأمينات في الدول المتقدمة انعكاسا للأوضاع الاقتصادية التي تطورت عبر قرون‏,‏ أما قطاعات التأمين في الوطن العربي‏,‏ فإنها تحتم على الحكومات القيام بدور أكبر في تنظيم الأسواق, وتحفيز الأفراد, وتقديم حماية اجتماعية في ظل ظروف معيشية متباينة‏,‏ وأحوال متحولة ما بين الغنى الهائل والفقر.
وحسب التقديرات النهائية‏,‏ فإن الذين يعيشون في فقر مدقع , زادوا إلى 20%‏ ببعض بلدان المنطقة,‏ ومثلهم قريبين من خط الفقر‏,‏ ومجموع كل الفقراء العرب يتجاوز ‏40%‏ من السكان , وهكذا تبقي قضية الفقر من أكبر التحديات التي تواجه البلاد العربية‏ ,‏ الأمر الذي يتطلب تحقيق معدلات أفضل من النمو المصحوب بإعادة توزيع الدخل والثروة‏,‏ وإعادة تصميم سياسات الضمان من خلال استهداف صور الفقر‏,‏ وتوفير شبكة أمان اجتماعي‏,‏ ولا شك أن كبار السن والأرامل والمطلقات والفئات المهمشة‏,‏ سيكونون عرضة أكبر للوقوع في الفقر‏,‏ إذا ما عجزوا عن توفير مستويات مناسبة من أجورهم في نظام الادخار ومعاشات التقاعد.


وكالة الأنباء العربية ـ القاهرة

نقلا عن جريدة الوطن العمانية 9 أكتوبر 2009م
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar] ([Link nur für registrierte Benutzer sichtbar])