Majid
October 19th, 2009, 10:57 AM
منقـــــــــــــــــــــــــول للاستفادة
توقعات بانخفاض نسبة العاملين المتقاعدين بحلول 2050 إصلاح أنظمة التقاعد في دول التعاون من الأفول إلى الاستدامة
آخر تحديث:الأحد ,18/10/2009 دبي - “الخليج” :
مما لا شكّ فيه أنّ أنظمة التقاعد في مجلس التعاون الخليجي سخيّة جداً . فالعاملون في المنطقة يتقاعدون في سنّ مبكرة ويتقاضون معاشات تقاعد مرتفعة . وتؤدّي أنظمة التقاعد في المنطقة، على مستوى توفير الرفاه الاجتماعي، دورها على أكمل وجه . إلا أنّ التركيز على الرفاه الاجتماعي يتعارض مع ابتعاد دول المنطقة عن نموذج “دولة الرفاه”، ونحو نموذج قائم على التعددية الاقتصادية وازدهار القطاع الخاص .
وجدت دراسة أجرتها “بوز آند كومباني” أنّ أنظمة التقاعد الحالية تفتقد الاستقرار وغير قابلة للاستدامة، وأن نجاح عملية إصلاح هذه الأنظمة يرتكز على تحويل المسؤولية تدريجياً نحو العاملين المشتركين في أنظمة التقاعد ومديري صناديق الاستثمار الخاصة، ما يساهم في تنمية الأسواق المالية في دول مجلس التعاون الخليجي ويقلّص الدور الحكومي في هذا المجال .
وتؤمّن أنظمة التقاعد بشكل عام ثلاث مزايا رئيسية . فمن الناحية الاجتماعية، تسمح للمتقاعدين بالمحافظة على مستوى الاستهلاك الذي اعتادوه قبل التقاعد، أو على الأقل تشكّل شبكة أمان تحميهم من الفقر . ومن الناحية المالية، تقوم أنظمة التقاعد على الالتزامات الطويلة الأمد واستثمارات طويلة الأمد، الذي من شأنه تخفيف تقلّب الأسواق المالية وتعزيز أسواق رأس المال . أما من الناحية الاقتصادية، فإنها تعطي الناس حافزاً للعمل، فتعزّز سوق العمل وتجعل الدولة أكثر تنافسية .
وفي هذا السياق، قال ريتشارد شدياق، الشريك في بوز آند كومباني، “في دول مجلس التعاون الخليجي، تعمل أنظمة التقاعد من أجل تحقيق هدف اجتماعي، ولا تعمل كثيراً على تحقيق الأهداف الاقتصادية والمالية للمنطقة” . وعلى الرغم من استدامة أنظمة التقاعد حالياً، مع مساهمة 25 موظفاً في صناديق التقاعد مقابل متقاعد واحد يسحب معاشه التقاعدي من الصندوق، سوف تتغيّر هذه المعادلة بحلول عام ،2050 لتبلغ نسبة 3 موظفين مقابل المتقاعد الواحد في بعض الدول . وفي هذا الإطار، أضاف شدياق، “أصبح إصلاح أنظمة التقاعد ضرورياً لتعزيز الأسس المالية التي تقوم عليها هذه الصناديق، والمحافظة على دورها كشبكة أمان للمواطنين ولتطوير الأسواق الرأسمالية في المنطقة ودعم فاعلية أسواق العمل الإقليمية” .
إن خطط التقاعد التي تعتمدها دول مجلس التعاون الخليجي سخية وتعتمد على حسابات مرتفعة لمعاش التقاعد، تشمل عادة 1 إلى 3 سنوات من آخر الحياة المهنية للعامل . وتميل معدّلات استبدال الرواتب في التقاعد إلى أن تكون مرتفعة - بحيث يبلغ معدّلها في بعض الدول 80% من الراتب قبل التقاعد، كما يتوفّر هذا المعدّل للأشخاص البالغين الذي لا يزيد عمرهم على 40 سنة في العديد من الدول .
في دول مجلس التعاون الخليجي، إنّ المعدلات التراكمية - أي نِّسَب تراكم معاشات التقاعد سنوياً(accrual rate) مستقرة وثابتة بغضّ النظر عن مستوى الراتب، الأمر الذي يؤدّي إلى معدّلات استبدال ثابتة . وفي هذا الإطار، قال سامر بحصلي، مدير أول في بوز آند كومباني، “وفقاً لأهداف إصلاح معاشات التقاعد التي تحددها دولة ما، يمكن النظر الى عدد من الخيارات ألأخرى إلى جانب المعدّلات التراكمية الثابتة . على سبيل المثال، يمكن النظر إلى المعدّل التراكمي التقدّمي الذي يرتفع بحسب سنوات العمل مع التقدّم في السنّ، وبذلك يعطي الحافز للاستمرار في العمل” . كما يُعتبر المعدّل التراكمي التراجعي خياراً آخر، بحيث تنخفض المعدّلات مع ارتفاع مستوى الدخل .
وحالياً، تتوفّر في سوق العمل الخليجية حوافز كبيرة للتقاعد في سنّ مبكرة عوضاً عن الاستمرار بالعمل: فيتقاعد 9 من أصل 10 ذكور في سنّ 60 عاماً، مقابل 1 من اصل 10 في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية(OECD) .
ويشكّل استحداث وسائل ادّخار للمساعدة في تعزيز الأسواق المالية في المنطقة مسألة أخرى مطروحة للإصلاح . وعليه، شرح شدياق، “لا يحظى العاملون في دول مجلس التعاون الخليجي بالتشجيع الكافي للادّخار للتقاعد ولا تتوفّر أي آلية تشبه آلية التقاعد الطوعي المعتمدة في الاقتصادات الأكثر نضجاً” . إلى ذلك، لا تشجّع الهوامش المرتفعة في المصارف على الادّخار، كما لا ينتشر التأمين على الحياة في دول مجلس التعاون الخليجي . كما أن النقص في الخبرة الاستثمارية المتقدّمة وارتفاع معدّل الاستهلاك (اذ تضع دراسة حديثة إمارة أبوظبي بين المدن التي تتمتع بأعلى مستويات الاستهلاك في العالم) يسلّطان الضوء على تردّد العاملين في التخلّي عن منطق الاعتماد على “دولة الرفاه” .
يشكّل إدخال اليد العاملة المُنتِجة الأجنبية في أنظمة التقاعد فرصة تحسين واضحة، لاسيما أن ثلاثة أرباع الموظّفين في دول مجلس التعاون الخليجي من الأجانب . في الإمارات العربية المتحدة والكويت مثلاً، ترتفع نسبة العاملين الأجانب أكثر، لتبلغ 83% و82% على التوالي .
في هذا الإطار، صرّح بحصلي، “في حين بحثت الدول الأخرى التي تتمتع بنسب عاملين أجانب مرتفعة عن وسائل لإدخالهم في أنظمة التقاعد، تفادت الحكومات في دول مجلس التعاون الخليجي القيام بمثل هذه المبادرات ووضعت بذلك حدوداً لجاذبيتها كوجهة للخبرات الأجنبية” . وقد عملت بعض الشركات الخاصة على معالجة هذه المسألة، فوضعت خطط تقاعد خاصة للمحافظة على مديريها الأجانب الأساسيين . وعبر استثناء العاملين الأجانب من أنظمة التقاعد، تفوّت بعض دول مجلس التعاون الخليجي فرصة مهمة لتعزيز أسواقها المالية: فتغطية التقاعد للأجانب تعني أن المساهمة في صناديق التقاعد في بعض الدول قد تتضاعف ثلاث مرات مما هي عليه حالياً” .
ومن المؤكد أن المقاربة الحالية لدول مجلس التعاون الخليجي في تمويل صناديق التقاعد لن تستمرّ في المستقبل . فأنظمة التقاعد التي تعتمدها مموَّلة بشكل جزئي (partially funded)، ما يعني أن جزءاً من المنافع ممول عبر استثمارات ناتجة عن فائض في المساهمات، والجزء المتبقي مدعوم بنظام الدفع عند الحاجة (pay as you go)، حيث تُسحب رواتب المتقاعدين من الاشتراكات التي يدفعها العاملون الحاليون . وفي هذا الإطار، قال شدياق، “هذه المقاربة ضرورية لأن الأصول غير كافية لتغطّي الالتزامات على المدى الطويل . في الحالات المُثلى، يجب أن تتحوّل أنظمة التقاعد في المنطقة إلى أنظمة مموّلة بالكامل (fully funded)، حيث تغطّي الأصول الالتزامات على المدى الطويل لكي تغطَى معظم المنافع من مردود المساهمات المُستثمَرة” .
لا يطرح التمويل الجزئي لأنظمة التقاعد مشكلة حالياً، ولكن مع تغيّر الوضع السكاني في المنطقة، لن يتوفّر عدد العاملين الكافي لدعم المتقاعدين . وسوف يشهد معدّل “اتكال المسنّين” (أي معدّل العاملين المشتركين بنظام التقاعد مقارنة بالمتقاعدينdependency ratio - انخفاضاً حاداً مع تقدّم السكان في السن .
وسوف تدفع مواطن الضعف هذه بدول مجلس التعاون الخليجي في نهاية المطاف إلى إصلاح أنظمة التقاعد التي تعتمدها . لكن من المنطقيّ بدء إصلاحات التقاعد اليوم، لاسيّما أن الضغوط الديموغرافية ما زالت أقلّ حدّة ويمكن للتغييرات أن تحقق أهدافها .
ويشكّل فتح أنظمة التقاعد أمام العاملين الأجانب (ضمن شروط معينة) وأصحاب المهن الحرّة من أهم الإصلاحات الممكن العمل عليها اليوم . أما ثاني أهم الإصلاحات فيكمن في الحد من دور الحكومة في إدارة أنظمة التقاعد والاهتمام بالعاملين عند تقاعدهم . أما الإصلاح الرئيسي الثالث فهو إدخال عنصر الادّخار التقاعدي الطوعي، لكي يتمتع العاملون بخيار يسمح لهم بادّخار الأموال فوق المستوى المخصص لهم . أما الإصلاح الرابع فيكمن في جعل حسابات التقاعد للعاملين قابلة للنقل، بحيث لا يواجه العاملون احتمال خسارة حسابات التقاعد الخاصة بهم في حال غيّروا وظيفتهم أو تركوا الدولة المقيمين فيها .
في هذا الإطار، علّق بحصلي، “يجب أن تدرس دول مجلس التعاون الخليجي تغييرات تكتيكية أخرى تتضمن اعادة النظر في المعدلات التراكمية للتمكّن من توزيع الثروات بشكل أفضل، وخفض معدّل استبدال الراتب المضمون إلى مستويات تتوافق مع الدول المتقدّمة، بالإضافة إلى تحديد زيادة التقاعد وفقاً لمعدّلات التضخّم وتقليص المساهمات القسرية في صناديق التقاعد المفروضة على الشركات” .
واعتمدت معظم الدول التي قامت بمراجعة أنظمة التقاعد إما على إصلاح المحددات(Parametric reform) أو إصلاح شامل للنظام (Systemic reform) وتشمل إصلاحات المحددات مراجعة المتغيرات التي يقوم عليها نظام التقاعد في دولة ما لضمان الاستقرار المالي، شأن سن التقاعد أو معدلات المساهمة القسرية .
أما إصلاحات النظام الشاملة فهي أكثر تعقيداً، وتشمل إدخال عدّة مستويات من أنظمة التقاعد(multi-tiering) ، وهي تشمل عادة راتباً تقاعدياً مضموناً من خلال صناديق التقاعد العامة(Tier-1) ، تُضاف إليه مزايا الصناديق الخاصة(Tier-2 and Tier-3) يتسم المستوى الأول(tier-1) برعاية الحكومة وبصندوق تقاعد إلزامي (مثل الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية)؛ ويتسم المستوى الثاني (tier-2) بكونه فاعلاً عبر صناديق إلزامية تديرها الشركات (مثل صندوق شركة جنرال إلكتريك) . أما المستوى الثالث (tier-3) فيتسم بالمساهمات المحددة، حيث يقوم العاملون طوعاً بادّخار مبلغ يختارونه ويستثمرونه كيفما أرادوا، زيادة عما تدّخره باسمهم الدولة وربّ العمل (مثل IRA أو401 ) في الولايات المتحدة الأمريكية) .
ويُعتَبر البنك الدولي داعماً قوياً لاعتماد النظام المتعدّد المستويات كوسيلة لإصلاحات النظام الشاملة التي تجعل أنظمة التقاعد أكثر قوة . فعندما تستحدث الحكومات مستويات التقاعد الخاصة، غالباً ما تقوم بذلك بهدف تحويل المسؤولية إلى الموظّف ومديري الصناديق الخاصة والحد من مسؤوليتها .
وقال شدياق، “قد لا تكون إصلاحات المحدّدات بحدّ ذاتها كافية في دول مجلس التعاون الخليجي، إلاّ أن إصلاحات النظام الشاملة لا تضمن النجاح أيضاً” . فيجب أن تتوفّر الظروف الاجتماعية والاقتصادية المناسبة لإنجاح الإصلاحات . فمثلاً، من المستبعد أن تنجح أي حكومة في القيام بإصلاح شامل للنظام لو كانت تعاني من عجز مالي كبير .
ثانياً، من المستبعد أن تنجح دولة ما في القيام بإصلاحات النظام الشاملة في حال عدم تطوّر أسواقها وخدماتها المالية، بسبب غياب الجهة الجديرة بتولّي إدارة المستويات الخاصة .
وتحتاج منطقة مجلس التعاون الخليجي إلى نموذج إصلاح فريد قائم على إنشاء المستويات الثلاثة بحسب ما تقتضيه أفضل الممارسات العالمية ولكن ضمن مظلة الصناديق العامة التي تتولّى الحكومة إدارتها أصلا . وفي المرحلة الأولى يجب أن تتولى الحكومات إدارة المستويات الثلاثة، مع وضع خطة واضحة لتسليم المستوى الثاني إلى الشركات الخاصة عند جهوزيتها، وتسليم المستوى الثالث مع نشوء شركات خدمات مالية قادرة على تولّي الصناديق التي يسهم بها الموظّفون (المستوى 3) . ونظراً لعدم جهوزية هذه الشركات المالية في معظم دول مجلس التعاون الخليجي، من غير المستحسن أن تتخلى الحكومات عن مسؤولية إدارة أنظمة التقاعد، على الأقل في المدى المنظور .
“عوضاً عن ذلك، يجب أن تدعم الحكومات مفهوم “صندوق واحد/ثلاثة مستويات” (single fund / three-tiers)، وتعطي المؤسسات العاملة في السوق المالية الوقت اللازم لإرساء البنية التحتية الضرورية وتطوير خدماتها”، على حدّ قول بحصلي . ويتمحور الهدف الطويل الأمد حول تركيز دور الحكومات في مجال التقاعد على تأمين الأمان الاجتماعي (عبر ضمان مستوى معيشي معيّن للمتقاعدين)، في حين تؤمَّن المزايا المالية والاقتصادية عبر المستويات التي يموّلها الموظّفون والشركات .
كما يجب أن يندرج موضوع إصلاحات المحددات ضمن عملية التغيير . فقد تحقّق التغييرات في المحددات نجاحاً كبيراً في ضمان الاستقرار المالي لمفهوم “الصندوق واحد/مستويات ثلاثة”، ما يسمح بالابتعاد عن نماذج التمويل الجزئي والانتقال إلى نماذج التمويل الكلّي . ومن شأن إدخال الناحية الطوعية من البرنامج في الصندوق العام المتوفّر أن يحرك المستوى الثالث، ما يساعد العاملين على ادّخار أموال تقاعد “إضافية” في صندوق عام يعرفونه ويثقون به .
في هذا الإطار، يقول شدياق، “سوف يخلق تدفّق الأموال في المستوى الثالث الظروف المؤاتية لازدهار الأسواق الرأسمالية، والوصول بدول مجلس التعاون الخليجي إلى مرحلة يمكن فيها تسليم صناديق المستوى الثالث (tier-(3 للشركات الخاصة لإدارتها” .
ومما لا شكّ فيه أنّ أي تغيير لطبيعة المزايا لن يرضي بعض المستفيدين الحاليين من أنظمة التقاعد المُعتمدة في دول مجلس التعاون الخليجي . وعليه من الضروري جدولة التغييرات على مراحل تمتدّ على عدّة سنوات، ما يعطي العاملين الوقت للاعتياد عليها وتغيير سلوكهم المالي . وهناك فرصة حقيقية أمام دول مجلس التعاون الخليجي للقيام بإصلاح أنظمة التقاعد اليوم لتعزيز الأُسس المالية لهذه الأنظمة والمحافظة على دورها كشبكة أمان مالية والسماح للعاملين أصحاب الدخل المتدني بالمحافظة على عاداتهم الاستهلاكية بعد التقاعد . ومن شأن الإصلاحات أيضاً أن تساهم في تطوير الأسواق الرأسمالية الإقليمية وتعزيز فاعلية أسواق العمل . ويمكن لهذه الإصلاحات، وفي حال تمّت بالطريقة السليمة، أن تساهم في تقدّم أنظمة التقاعد لترتقي إلى مصاف أفضل الأنظمة العالمية .
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]
توقعات بانخفاض نسبة العاملين المتقاعدين بحلول 2050 إصلاح أنظمة التقاعد في دول التعاون من الأفول إلى الاستدامة
آخر تحديث:الأحد ,18/10/2009 دبي - “الخليج” :
مما لا شكّ فيه أنّ أنظمة التقاعد في مجلس التعاون الخليجي سخيّة جداً . فالعاملون في المنطقة يتقاعدون في سنّ مبكرة ويتقاضون معاشات تقاعد مرتفعة . وتؤدّي أنظمة التقاعد في المنطقة، على مستوى توفير الرفاه الاجتماعي، دورها على أكمل وجه . إلا أنّ التركيز على الرفاه الاجتماعي يتعارض مع ابتعاد دول المنطقة عن نموذج “دولة الرفاه”، ونحو نموذج قائم على التعددية الاقتصادية وازدهار القطاع الخاص .
وجدت دراسة أجرتها “بوز آند كومباني” أنّ أنظمة التقاعد الحالية تفتقد الاستقرار وغير قابلة للاستدامة، وأن نجاح عملية إصلاح هذه الأنظمة يرتكز على تحويل المسؤولية تدريجياً نحو العاملين المشتركين في أنظمة التقاعد ومديري صناديق الاستثمار الخاصة، ما يساهم في تنمية الأسواق المالية في دول مجلس التعاون الخليجي ويقلّص الدور الحكومي في هذا المجال .
وتؤمّن أنظمة التقاعد بشكل عام ثلاث مزايا رئيسية . فمن الناحية الاجتماعية، تسمح للمتقاعدين بالمحافظة على مستوى الاستهلاك الذي اعتادوه قبل التقاعد، أو على الأقل تشكّل شبكة أمان تحميهم من الفقر . ومن الناحية المالية، تقوم أنظمة التقاعد على الالتزامات الطويلة الأمد واستثمارات طويلة الأمد، الذي من شأنه تخفيف تقلّب الأسواق المالية وتعزيز أسواق رأس المال . أما من الناحية الاقتصادية، فإنها تعطي الناس حافزاً للعمل، فتعزّز سوق العمل وتجعل الدولة أكثر تنافسية .
وفي هذا السياق، قال ريتشارد شدياق، الشريك في بوز آند كومباني، “في دول مجلس التعاون الخليجي، تعمل أنظمة التقاعد من أجل تحقيق هدف اجتماعي، ولا تعمل كثيراً على تحقيق الأهداف الاقتصادية والمالية للمنطقة” . وعلى الرغم من استدامة أنظمة التقاعد حالياً، مع مساهمة 25 موظفاً في صناديق التقاعد مقابل متقاعد واحد يسحب معاشه التقاعدي من الصندوق، سوف تتغيّر هذه المعادلة بحلول عام ،2050 لتبلغ نسبة 3 موظفين مقابل المتقاعد الواحد في بعض الدول . وفي هذا الإطار، أضاف شدياق، “أصبح إصلاح أنظمة التقاعد ضرورياً لتعزيز الأسس المالية التي تقوم عليها هذه الصناديق، والمحافظة على دورها كشبكة أمان للمواطنين ولتطوير الأسواق الرأسمالية في المنطقة ودعم فاعلية أسواق العمل الإقليمية” .
إن خطط التقاعد التي تعتمدها دول مجلس التعاون الخليجي سخية وتعتمد على حسابات مرتفعة لمعاش التقاعد، تشمل عادة 1 إلى 3 سنوات من آخر الحياة المهنية للعامل . وتميل معدّلات استبدال الرواتب في التقاعد إلى أن تكون مرتفعة - بحيث يبلغ معدّلها في بعض الدول 80% من الراتب قبل التقاعد، كما يتوفّر هذا المعدّل للأشخاص البالغين الذي لا يزيد عمرهم على 40 سنة في العديد من الدول .
في دول مجلس التعاون الخليجي، إنّ المعدلات التراكمية - أي نِّسَب تراكم معاشات التقاعد سنوياً(accrual rate) مستقرة وثابتة بغضّ النظر عن مستوى الراتب، الأمر الذي يؤدّي إلى معدّلات استبدال ثابتة . وفي هذا الإطار، قال سامر بحصلي، مدير أول في بوز آند كومباني، “وفقاً لأهداف إصلاح معاشات التقاعد التي تحددها دولة ما، يمكن النظر الى عدد من الخيارات ألأخرى إلى جانب المعدّلات التراكمية الثابتة . على سبيل المثال، يمكن النظر إلى المعدّل التراكمي التقدّمي الذي يرتفع بحسب سنوات العمل مع التقدّم في السنّ، وبذلك يعطي الحافز للاستمرار في العمل” . كما يُعتبر المعدّل التراكمي التراجعي خياراً آخر، بحيث تنخفض المعدّلات مع ارتفاع مستوى الدخل .
وحالياً، تتوفّر في سوق العمل الخليجية حوافز كبيرة للتقاعد في سنّ مبكرة عوضاً عن الاستمرار بالعمل: فيتقاعد 9 من أصل 10 ذكور في سنّ 60 عاماً، مقابل 1 من اصل 10 في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية(OECD) .
ويشكّل استحداث وسائل ادّخار للمساعدة في تعزيز الأسواق المالية في المنطقة مسألة أخرى مطروحة للإصلاح . وعليه، شرح شدياق، “لا يحظى العاملون في دول مجلس التعاون الخليجي بالتشجيع الكافي للادّخار للتقاعد ولا تتوفّر أي آلية تشبه آلية التقاعد الطوعي المعتمدة في الاقتصادات الأكثر نضجاً” . إلى ذلك، لا تشجّع الهوامش المرتفعة في المصارف على الادّخار، كما لا ينتشر التأمين على الحياة في دول مجلس التعاون الخليجي . كما أن النقص في الخبرة الاستثمارية المتقدّمة وارتفاع معدّل الاستهلاك (اذ تضع دراسة حديثة إمارة أبوظبي بين المدن التي تتمتع بأعلى مستويات الاستهلاك في العالم) يسلّطان الضوء على تردّد العاملين في التخلّي عن منطق الاعتماد على “دولة الرفاه” .
يشكّل إدخال اليد العاملة المُنتِجة الأجنبية في أنظمة التقاعد فرصة تحسين واضحة، لاسيما أن ثلاثة أرباع الموظّفين في دول مجلس التعاون الخليجي من الأجانب . في الإمارات العربية المتحدة والكويت مثلاً، ترتفع نسبة العاملين الأجانب أكثر، لتبلغ 83% و82% على التوالي .
في هذا الإطار، صرّح بحصلي، “في حين بحثت الدول الأخرى التي تتمتع بنسب عاملين أجانب مرتفعة عن وسائل لإدخالهم في أنظمة التقاعد، تفادت الحكومات في دول مجلس التعاون الخليجي القيام بمثل هذه المبادرات ووضعت بذلك حدوداً لجاذبيتها كوجهة للخبرات الأجنبية” . وقد عملت بعض الشركات الخاصة على معالجة هذه المسألة، فوضعت خطط تقاعد خاصة للمحافظة على مديريها الأجانب الأساسيين . وعبر استثناء العاملين الأجانب من أنظمة التقاعد، تفوّت بعض دول مجلس التعاون الخليجي فرصة مهمة لتعزيز أسواقها المالية: فتغطية التقاعد للأجانب تعني أن المساهمة في صناديق التقاعد في بعض الدول قد تتضاعف ثلاث مرات مما هي عليه حالياً” .
ومن المؤكد أن المقاربة الحالية لدول مجلس التعاون الخليجي في تمويل صناديق التقاعد لن تستمرّ في المستقبل . فأنظمة التقاعد التي تعتمدها مموَّلة بشكل جزئي (partially funded)، ما يعني أن جزءاً من المنافع ممول عبر استثمارات ناتجة عن فائض في المساهمات، والجزء المتبقي مدعوم بنظام الدفع عند الحاجة (pay as you go)، حيث تُسحب رواتب المتقاعدين من الاشتراكات التي يدفعها العاملون الحاليون . وفي هذا الإطار، قال شدياق، “هذه المقاربة ضرورية لأن الأصول غير كافية لتغطّي الالتزامات على المدى الطويل . في الحالات المُثلى، يجب أن تتحوّل أنظمة التقاعد في المنطقة إلى أنظمة مموّلة بالكامل (fully funded)، حيث تغطّي الأصول الالتزامات على المدى الطويل لكي تغطَى معظم المنافع من مردود المساهمات المُستثمَرة” .
لا يطرح التمويل الجزئي لأنظمة التقاعد مشكلة حالياً، ولكن مع تغيّر الوضع السكاني في المنطقة، لن يتوفّر عدد العاملين الكافي لدعم المتقاعدين . وسوف يشهد معدّل “اتكال المسنّين” (أي معدّل العاملين المشتركين بنظام التقاعد مقارنة بالمتقاعدينdependency ratio - انخفاضاً حاداً مع تقدّم السكان في السن .
وسوف تدفع مواطن الضعف هذه بدول مجلس التعاون الخليجي في نهاية المطاف إلى إصلاح أنظمة التقاعد التي تعتمدها . لكن من المنطقيّ بدء إصلاحات التقاعد اليوم، لاسيّما أن الضغوط الديموغرافية ما زالت أقلّ حدّة ويمكن للتغييرات أن تحقق أهدافها .
ويشكّل فتح أنظمة التقاعد أمام العاملين الأجانب (ضمن شروط معينة) وأصحاب المهن الحرّة من أهم الإصلاحات الممكن العمل عليها اليوم . أما ثاني أهم الإصلاحات فيكمن في الحد من دور الحكومة في إدارة أنظمة التقاعد والاهتمام بالعاملين عند تقاعدهم . أما الإصلاح الرئيسي الثالث فهو إدخال عنصر الادّخار التقاعدي الطوعي، لكي يتمتع العاملون بخيار يسمح لهم بادّخار الأموال فوق المستوى المخصص لهم . أما الإصلاح الرابع فيكمن في جعل حسابات التقاعد للعاملين قابلة للنقل، بحيث لا يواجه العاملون احتمال خسارة حسابات التقاعد الخاصة بهم في حال غيّروا وظيفتهم أو تركوا الدولة المقيمين فيها .
في هذا الإطار، علّق بحصلي، “يجب أن تدرس دول مجلس التعاون الخليجي تغييرات تكتيكية أخرى تتضمن اعادة النظر في المعدلات التراكمية للتمكّن من توزيع الثروات بشكل أفضل، وخفض معدّل استبدال الراتب المضمون إلى مستويات تتوافق مع الدول المتقدّمة، بالإضافة إلى تحديد زيادة التقاعد وفقاً لمعدّلات التضخّم وتقليص المساهمات القسرية في صناديق التقاعد المفروضة على الشركات” .
واعتمدت معظم الدول التي قامت بمراجعة أنظمة التقاعد إما على إصلاح المحددات(Parametric reform) أو إصلاح شامل للنظام (Systemic reform) وتشمل إصلاحات المحددات مراجعة المتغيرات التي يقوم عليها نظام التقاعد في دولة ما لضمان الاستقرار المالي، شأن سن التقاعد أو معدلات المساهمة القسرية .
أما إصلاحات النظام الشاملة فهي أكثر تعقيداً، وتشمل إدخال عدّة مستويات من أنظمة التقاعد(multi-tiering) ، وهي تشمل عادة راتباً تقاعدياً مضموناً من خلال صناديق التقاعد العامة(Tier-1) ، تُضاف إليه مزايا الصناديق الخاصة(Tier-2 and Tier-3) يتسم المستوى الأول(tier-1) برعاية الحكومة وبصندوق تقاعد إلزامي (مثل الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية)؛ ويتسم المستوى الثاني (tier-2) بكونه فاعلاً عبر صناديق إلزامية تديرها الشركات (مثل صندوق شركة جنرال إلكتريك) . أما المستوى الثالث (tier-3) فيتسم بالمساهمات المحددة، حيث يقوم العاملون طوعاً بادّخار مبلغ يختارونه ويستثمرونه كيفما أرادوا، زيادة عما تدّخره باسمهم الدولة وربّ العمل (مثل IRA أو401 ) في الولايات المتحدة الأمريكية) .
ويُعتَبر البنك الدولي داعماً قوياً لاعتماد النظام المتعدّد المستويات كوسيلة لإصلاحات النظام الشاملة التي تجعل أنظمة التقاعد أكثر قوة . فعندما تستحدث الحكومات مستويات التقاعد الخاصة، غالباً ما تقوم بذلك بهدف تحويل المسؤولية إلى الموظّف ومديري الصناديق الخاصة والحد من مسؤوليتها .
وقال شدياق، “قد لا تكون إصلاحات المحدّدات بحدّ ذاتها كافية في دول مجلس التعاون الخليجي، إلاّ أن إصلاحات النظام الشاملة لا تضمن النجاح أيضاً” . فيجب أن تتوفّر الظروف الاجتماعية والاقتصادية المناسبة لإنجاح الإصلاحات . فمثلاً، من المستبعد أن تنجح أي حكومة في القيام بإصلاح شامل للنظام لو كانت تعاني من عجز مالي كبير .
ثانياً، من المستبعد أن تنجح دولة ما في القيام بإصلاحات النظام الشاملة في حال عدم تطوّر أسواقها وخدماتها المالية، بسبب غياب الجهة الجديرة بتولّي إدارة المستويات الخاصة .
وتحتاج منطقة مجلس التعاون الخليجي إلى نموذج إصلاح فريد قائم على إنشاء المستويات الثلاثة بحسب ما تقتضيه أفضل الممارسات العالمية ولكن ضمن مظلة الصناديق العامة التي تتولّى الحكومة إدارتها أصلا . وفي المرحلة الأولى يجب أن تتولى الحكومات إدارة المستويات الثلاثة، مع وضع خطة واضحة لتسليم المستوى الثاني إلى الشركات الخاصة عند جهوزيتها، وتسليم المستوى الثالث مع نشوء شركات خدمات مالية قادرة على تولّي الصناديق التي يسهم بها الموظّفون (المستوى 3) . ونظراً لعدم جهوزية هذه الشركات المالية في معظم دول مجلس التعاون الخليجي، من غير المستحسن أن تتخلى الحكومات عن مسؤولية إدارة أنظمة التقاعد، على الأقل في المدى المنظور .
“عوضاً عن ذلك، يجب أن تدعم الحكومات مفهوم “صندوق واحد/ثلاثة مستويات” (single fund / three-tiers)، وتعطي المؤسسات العاملة في السوق المالية الوقت اللازم لإرساء البنية التحتية الضرورية وتطوير خدماتها”، على حدّ قول بحصلي . ويتمحور الهدف الطويل الأمد حول تركيز دور الحكومات في مجال التقاعد على تأمين الأمان الاجتماعي (عبر ضمان مستوى معيشي معيّن للمتقاعدين)، في حين تؤمَّن المزايا المالية والاقتصادية عبر المستويات التي يموّلها الموظّفون والشركات .
كما يجب أن يندرج موضوع إصلاحات المحددات ضمن عملية التغيير . فقد تحقّق التغييرات في المحددات نجاحاً كبيراً في ضمان الاستقرار المالي لمفهوم “الصندوق واحد/مستويات ثلاثة”، ما يسمح بالابتعاد عن نماذج التمويل الجزئي والانتقال إلى نماذج التمويل الكلّي . ومن شأن إدخال الناحية الطوعية من البرنامج في الصندوق العام المتوفّر أن يحرك المستوى الثالث، ما يساعد العاملين على ادّخار أموال تقاعد “إضافية” في صندوق عام يعرفونه ويثقون به .
في هذا الإطار، يقول شدياق، “سوف يخلق تدفّق الأموال في المستوى الثالث الظروف المؤاتية لازدهار الأسواق الرأسمالية، والوصول بدول مجلس التعاون الخليجي إلى مرحلة يمكن فيها تسليم صناديق المستوى الثالث (tier-(3 للشركات الخاصة لإدارتها” .
ومما لا شكّ فيه أنّ أي تغيير لطبيعة المزايا لن يرضي بعض المستفيدين الحاليين من أنظمة التقاعد المُعتمدة في دول مجلس التعاون الخليجي . وعليه من الضروري جدولة التغييرات على مراحل تمتدّ على عدّة سنوات، ما يعطي العاملين الوقت للاعتياد عليها وتغيير سلوكهم المالي . وهناك فرصة حقيقية أمام دول مجلس التعاون الخليجي للقيام بإصلاح أنظمة التقاعد اليوم لتعزيز الأُسس المالية لهذه الأنظمة والمحافظة على دورها كشبكة أمان مالية والسماح للعاملين أصحاب الدخل المتدني بالمحافظة على عاداتهم الاستهلاكية بعد التقاعد . ومن شأن الإصلاحات أيضاً أن تساهم في تطوير الأسواق الرأسمالية الإقليمية وتعزيز فاعلية أسواق العمل . ويمكن لهذه الإصلاحات، وفي حال تمّت بالطريقة السليمة، أن تساهم في تقدّم أنظمة التقاعد لترتقي إلى مصاف أفضل الأنظمة العالمية .
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]