JAMELJABER
June 9th, 2010, 07:43 AM
<H1 class=title>المشتقات خارج البورصة..فشل مصرفي أم خيبة أممية؟
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]
#attachments { display: none; }لا تحظى الفقاعات الاقتصادية باعتراف من هم يقبعون داخلها، علماً بأن العالم الغربي بأكمله أصبح محاصراً بهدوء داخل أكبر فقاعة اقتصادية في التاريخ. وتعزى الأزمة المالية العالمية التي بدأت في العام 2008 لعمليات قروض الرهن العقاري الثانوي والأوراق المالية المدعومة بالرهن، مثل التزامات الديون المضمونة بالسندات المالية، والتي أماطت اللثام عن وجهها الحقيقي ليتبين أنها من الأصول السامة.
وفي الوقت الذي يفترض فيه أن السبب الجذري للأزمة المالية يعزى أصلاً إلى فقاعة أسعار الأصول العقارية السكنية والمخاطر الممنهجة الكامنة، إلا أن السبب الرئيس لمنح البنوك شهادة «أكبر من أن تفشل» حيث أجبرت الحكومات على إنقاذ المؤسسات المالية بأي ثمن، يتمثل في ما يمكننا أن نطلق عليه المشتقات المالية التي يجري تداولها خارج البورصة، أو مشتقات المنتجات الجاهزة. وأدى تعليق العمل بقاعدة إعادة التقييم وفقاً لأسعار السوق الصادرة عن لجنة معايير المحاسبة المالية الأمريكية في العام 2009، إلى الحفاظ على قيمة الموازنات العمومية للبنوك، أي محافظ الرهن العقاري فيها، لكن الشيء الأكثر أهمية من ذلك بكثير هو أن هذا الإجراء حال دون إطلاق آلاف عقود المشتقات المالية خارج البورصة، مثل مقايضة العجز عن سداد الائتمان التي كان يخشى معها أن تمحو تقريباً كبريات المؤسسات المصرفية كافة في العالم.
ويمكن للمشتقات خارج البورصة أن تلعب دوراً مباشراً لتكون بمثابة بوالص تأمين مالية تغطي المخاطر التجارية الحقيقية كافة. وفي سيناريو التحوط، يكون المستثمر عرضة لسعر الفائدة المتغير الذي قد يتحول ليشكل خطورة حقيقية إلى مستثمر آخر (الطرف المقابل) عن طريق الدخول في مبادلة أسعار الفائدة. إن عقد التبادل هو بمثابة اتفاقية لتبادل التدفقات النقدية، وفي حال ارتفاع أسعار الفائدة، يقوم المستثمر الثاني بدفع الفرق، في حين يتعين على المستثمر الأول دفع السعر الأصلي (للمستثمر الثاني)، إلى جانب تكاليف المبادلة.
وبطبيعة الحال، فإنه لو افترضنا تعرض المستثمر الثاني لمشكلة الإعسار، يبقى المستثمر الأصلي متحملاً للمسؤولية أمام الجهة المقرضة، ولن يكون بمقدوره التمتع بالتأمين من المخاطر التي قدمها المستثمر الثاني، فضلاً عن دفع أي مبلغ صافٍ للمستثمر الثاني. وتكون فرص عزل المخاطر على المستثمرين محدودة جداً، لكن يمكن للمستثمر الثاني تعويض المخاطر التي قد يتعرض لها عن طريق مستثمر ثالث، وهكذا دواليك، الأمر الذي يؤدي إلى نشوء شبكة غير منتهية من المخاطر المترابطة مع بعضها بعضاً.
وهناك أنواع أخرى من المشتقات التي يجري تداولها أو التفاوض عليها بين الأطراف خارج البورصة، ومنها مبادلات سعر صرف العملة التي تعد في الأساس عقوداً آجلة غير معيارية، وكذلك مقايضة العجز عن سداد الائتمان. ويمكن استخدام هذه الأنواع من المشتقات خارج البورصة في نشاطات المضاربة، وكذلك في ممارسات التحوط. وفي سيناريو المضاربة، تكون هذه المشتقات شبيهة جداً بالمراهنات، ومن ذلك على سبيل المثال، أن يتم الرهان على أن شركة معينة ستتخلف عن التزامات سنداتها، ولا ترتبط المضاربة في المشتقات المالية خارج البورصة مع أي من الأصول أو أي مخاطر تجارية حقيقية، لكن الالتزامات والمخاطر التي تخلقها تكون حقيقية. وبموجب القوانين على مستوى الولايات لهذه اللعبة، كان استخدام المضاربة في المشتقات خارج البورصة، مثل مقايضة العجز المجرد عن سداد الائتمان والتزامات الديون المضمونة بالسندات المالية الاصطناعية، غير قانوني في الولايات المتحدة، ولكن تم إبطال العمل بها بعد صدور القانون الفيدرالي عن الحكومة الأمريكية، والذي حمل اسم «قانون تحديث العقود الآجلة للسلع في العام 2000».
ويتم تداول المشتقات في مختلف الأصول الأساسية في ظل غياب مراكز أو شركات تبادل المعلومات، أي في الأسواق التي لا تخضع للتنظيم، وبما أنه لا يتم تداولها في البورصة، فإن هذه المشتقات، مثل مقايضة العجز عن سداد الائتمان، لا تحظى بالفهم العميق على نطاق واسع. وفي أسواق المشتقات خارج البورصة، يؤدي خطر العجز عن السداد من جانب الأطراف الأخرى إلى شبكة من العلاقات المتبادلة التي تعتمد على بعضها بعضاً بين الجهات الفاعلة في السوق، الأمر الذي يعزز من خطر التقلبات التي تعرض النظام المالي إلى خطر ممنهج، وهو ما تجلى بوضوح في العام 2008 عندما انهارت مؤسسة «ليمان براذرز هولدينغز».
ومن الناحية الرسمية، يوجد ما يقرب من 604.6 تريليون دولار على شكل عقود المشتقات خارج البورصة، أي ما يزيد على عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي العالمي البالغ 57.33 تريليون دولار، لتبقى هذه الأموال بمثابة سيوف مشرعة على رقبة النظام المالي العالمي، مع أن فقاعة هذه المشتقات تبقى غير مرئية بالنسبة إلى المستثمر العادي. ومن وجهة نظر الآخرين الذين يكونون خارج نطاق هذه الفقاعة، فإنهم يرون انفجار المشتقات خارج البورصة شيئاً من الهوس.
إن مشكلة انعدام الشفافية المتأصلة في أسواق المشتقات خارج البورصة تعوق اكتشاف الأسعار، وتبطل تماماً فرضية كفاءة الأسواق القائلة، إن الأدوات المالية يتم تسعيرها دائماً بشكل صحيح، وبالتالي فإن المشتقات خارج البورصة والمخاطر المرتبطة بها قد يخضع ذلك لسياسة تسعيرية غير صحيحة، كما هي الحال بالنسبة إلى التزامات الديون المضمونة بالسندات المالية الاصطناعية التي أصدرتها مجموعة التأمين الأمريكية المعروفة «أمريكان إنترناشيونال غروب».
ورغم أن اهتمام وسائل الإعلام لا يزال مركزاً على الهدف السياسي من الانتعاش الاقتصادي والعقارات السكنية، إلا أن السبب الحقيقي لما بات يعرف في ما بعد باسم «أزمة الائتمان» لا يزال على حاله خارج نطاق البنوك المركزية والحكومات.
التنظيم والإيديولوجيا
وعندما حاولت هيئة تداول السلع الآجلة تنظيم المشتقات خارج البورصة في العام 1998، جوبهت مقترحاتها بالرفض من جانب ألان غرينسبان، الذي كان يشغل في تلك الفترة منصب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وروبرت روبن، وزير الخزانة، ولورنس سومرز، مساعد وزير وزارة الخزانة في تلك الفترة. وفي ذلك الوقت، كانت التنظيمات المعمول بها تجرى بصورة مضادة للأيديولوجية المهيمنة في العاصمة واشنطن، والتي كانت تعكس وجهات نظر ومصالح القطاع المصرفي وقطاع الخدمات المالية.
ورغم التحذيرات التي صدرت في وقت مبكر، مثل تعرض «أورانج كاونتي» بولاية كاليفورنيا للإفلاس، والدعوى القضائية التي رفعتها شركة «بروكتر آند غامبل» ضد مؤسسة «بانكرز تراست»، وتعرض مؤسسة «لونع تيرم كابيتال منجمنت» للفشل، إلا أن الفريق المعني بالأسواق المالية العامل مع الرئيس وصف المشتقات المالية خارج البورصة في شهر نوفمبر من العام 1999 على أنها تمثل واحداً من الابتكارات المهمة التي «حولت عالم المال وأسهمت في زيادة نطاق المنتجات المالية المتاحة للشركات والمستثمرين، وعززت الكثير من الوسائل الأكثر دقة لفهم وتحديد وإدارة المخاطر»، وفي العام 2000، قام كل من غرينسبان وروبن وسامرز بدعم إجراءات تحرير المشتقات خارج البورصة.
إن الأساس التنظيمي للمشتقات خارج البورصة ينبع من استخدام مشتقات للتحايل على الأنظمة القائمة والقوانين الضريبية، حيث إن المستثمرين الذين يحظر عليهم الاستثمار في أدوات مالية معينة يمكنهم مواصلة القيام بمواقف متطابقة تقريباً في أسواق المشتقات خارج البورصة التي تكون بعيدة عن أي تشريعات تنظيمية. ومن خلال تغيير نوع أو مصدر أو توقيت الدخل، يكون للمشتقات خارج البورصة نتائج ضريبية مختلفة مقارنة بالاستثمارات في السلع الأساسية أو الأدوات المالية. ويمكن لهذه المشتقات أيضاً خلق خطر معنوي وحوافز ضارة، إذ قد تنشأ المخاطر المعنوية عندما يقوم كيان ما بتحمل المزيد من المخاطر أكثر مما يجب من دون الأخذ في الحسبان تلك الآثار التي قد تطال الأطراف المقابلة، لأن المديرين التنفيذيين القائمين على هذا الكيان يدركون في قرارة أنفسهم أنهم سيحظون بالإنقاذ إذا ما تعرضت شركتهم للإعسار.
ومن بين النماذج الدالة على الحوافز الضارة، أنها تظهر من النقطة التي تبدأ فيها تلك الشركة بتحقيق الأرباح في سوق مقايضة العجز عن سداد الائتمان، ومن ذلك على سبيل المثال، إذا تعرضت شركة معينة للعجز عن تسديد التزامات سنداتها، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بعلاقات أخرى مع الشركة التي تؤثر في النتيجة، مثل الجهة الدائنة. إن انتشار المضاربة على نطاق واسع يضع الشركات المالية والنظام المالي نفسه في قلب الخطر، كما أنه يجبر الحكومات على انتقاء أحد خيارين أحلاهما مر، أما الأول فهو إنقاذ المستثمرين الذين لم يكونوا مسؤولين عن تصرفاتهم، أو السماح بوقوع الاضطراب الاقتصادي الذي قد يؤدي إلى فشل النظام المالي.
إن تنظيم المشتقات المالية خارج البورصة، أي إدراجها في أسواق البورصة النظامية، يعد أفضل خطوة لزيادة الشفافية، وفرض توحيد للعقود، وتوفير الطمأنينة القانونية. وبما أن المشتقات يمكن أن تكون مصدراً للتمويل خارج الموازنة، يمكن للتنظيم أيضاً أن يجعل الديون الحقيقية التي تتحملها الشركات المالية واضحة أمام المستثمرين. ويضمن التنظيم أيضاً القدرة للأطراف المقابلة لتغطية خسائرها، ومن شأن ذلك أن يساعد على احتواء المضاربة، والحد بشكل كبير من المخاطر الممنهجة.
المخاطر الأساسية
ولو افترضنا قيام كل لاعب في السوق بالسعي للتحوط من المخاطر على نحو مماثل، فإن القيمة الإجمالية الإسمية لجميع المشتقات خارج البورصة ستنمو بشكل مطرد، ولو أخذنا بالحسبان القيم الإسمية للعقود الحالية، لوجدنا أن المضاربة تمثل بوضوح جزءاً كبيراً من إجمالي المشتقات خارج البورصة. وفي الوقت الذي ينمو فيه العدد والقيمة الإسمية الإجمالية للمشتقات خارج البورصة، سيزداد حجم المخاطر الممنهجة نظراً لوجود المزيد من علاقات الترابط المتبادلة بين السلسلة الطويلة من الأطراف، ناهيك عن التعقيد والمخاطر الائتمانية، أي أن التأثير الممنهج للفشل الذي يتعرض له طرف معين سيزداد، ويكون من المتعذر التنبؤ به في الوقت نفسه.
وبدلاً من اللجوء إلى نهج توزيع المخاطر، بدا واضحاً في العام 2008 أن المشتقات خارج البورصة أسهمت في زيادة حجم انعدام استقرار النظام المالي، واحتمال فشل النظام بأكمله بصورة ممنهجة نظراً لتعقيد هذا النشاط، وانعدم الشفافية في العقود، والتعرض للديون بصورة غير متناسبة، والاعتماد على الأسواق الأخرى التي تكون بدورها عرضة لقوى مربكة، كما بدا واضحاً أيضاً في العام ذاته أن هناك أسباباً مهمة تؤكد على حقيقة أن المشتقات خارج البورصة تشجع مشكلة انعدام الاستقرار على نحو ممنهج.
العالم الكامل
وبما أن شروط عقود المشتقات تشمل عوامل سوقية قد تؤدي بدورها إلى تغيير استقلالية الإجراءات التي يمكن اتخاذها من جانب الأطراف المقابلة، يمكن للمشتقات خارج البورصة أن تخلق نوعاً محتملاً من مخاطر التعرض للائتمان، وبالتالي فإنها تنطوي على عنصر جوهري من مشكلة انعدام الرؤية، إضافة إلى المخاطر التي ربما يتسبب بها الطرف المقابل. ومع ذلك، فإن الأمر الأكثر أهمية هو أنه بسبب ميل الأطراف المقابلة إلى المشاركة في الأسواق نفسها، ستنشأ علاقة ضمنية لا محالة، وكلما زاد مستوى المخاطر عمقاً، ستحدث المخاطر الذاتية عندما تواجه الصناديق أو المؤسسات التي تتخذ مواقف مماثلة، وتتحمل المخاطر نفسها، وتختار الإجراءات المفضلة ذاتها، ما يعني في نهاية المطاف خلق علاقات غير متوقعة بين المواقف المختلفة وغير المترابطة اقتصادياً مع بعضها.
وفي الوقت ذاته، فإن المخاطر التي تنتقل بين الأطراف تبقى موجودة في النظام المالي، ولكن وجودها يتخذ أشكالاً مختلفة، وربما لا تكون مفهومة بشكل جيد. وبغض النظر عن التقنيات المستخدمة لوضع نموذج للخطر، ورغم إلغاء نظرية المخاطر، أي أن اتخاذ موقفين خطيرين سوياً في نفس الوقت قد يسهم بشكل فاعل في الحد من الخطر، إلا أن اللاعبين في السوق يسعون بصورة طبيعية لنقل المخاطر إلى الأطراف المقابلة، في الوقت الذي يدفعون فيه القيمة العادلة فقط إذا كان ذلك ممكناً، ويقبلون تحمل المخاطر الأقل مستوى فقط مقابل أقساط عندما يتحملون المسؤولية.
وعندما تستخدم المشتقات خارج البورصة بطريقة غير مسؤولة، فإنها تعرض الأطراف المقابلة إلى مخاطر ربما لن يقبلوا بها إذا توافرت بين أيديهم المعلومات كافة ذات الصلة. ويتطلب تحقيق أقصى قدر من الأرباح في هذه البيئة البعيدة عند التنظيم، استغلال الاختلالات الكامنة في المخاطر، والتي ترتبط بشكل إيجابي مع عدم استقرار النظام. وبما أنه يستحيل من حيث المبدأ بالنسبة إلى جميع اللاعبين في السوق الفوز في هذه المنافسة والتغلب على المخاطر مع مضاعفة الأرباح، فإن فئة من هؤلاء اللاعبين يعجزون دائماً عن تقييم المخاطر، ونتيجة لذلك يقعون في مصيدة الإعسار.
وعندما يتعرض أي لاعب في السوق إلى الفشل، فإنه لن يسقط لوحده، بل إن العلاقات التي تربط بين الكثيرين ستحولهم إلى حجارة دومينو، إذا تداعى أحدهم سيدفع بمن يجاوره، إلى أن ينتهي الأمر بسقوط الأطراف كافة في هذه السلسلة اللامتناهية، وإلى مستوى قد يسحب معه الفائزين والخاسرين على حد سواء. إن حالة التشويش على المخاطر والآليات التنافسية تسهم في ازدهار مشكلة انعدام الشفافية وزعزعة استقرار النظام في نهاية المطاف.
وبما أن التوزيعات الطبيعية (الغاوسية)، أو متوسط مختزل التوزيع المعرف بدالة الكثافة، لا يمكن تطبيقه على العالم الحقيقي، يكون من المرجح حدوث تغيرات كبيرة صعوداً أو هبوطاً في سوق الأسهم، ولا يلاحظ حدوث توزيع عادي أو انحراف معياري (سيغما)، ومع ذلك، يمكن وضع نموذج للخطر باستخدام الطرق الإحصائية، مثل أسلوب مونتي كارلو.
الرسم البياني من «جيه دبليو ويتوار» (أسس مونتي كارلو للمحاكاة)
إن أسلوب مونت كارلو الذي حمل هذا الاسم نسبة إلى الكازينوهات الموجودة في مونت كارلو، يعد أسلوباً عشوائياً، وهذا يعني أنه يتم تحديد حالة النموذج عن طريق عناصر يمكن التنبؤ بها وأخرى عشوائية على حد سواء. ويوفر أسلوب مونتي كارلو وسيلة لتحليل انعدام الرؤية أو اليقين نحو احتمالات ما، مثل لعبة النرد، وعلى سبيل المثال، يمكن استخدام طريقة مونت كارلو لتحليل آثار التفاوت العشوائي أو الأخطاء في الحساسية، أو أداء نظام ما أو مستوى الاعتماد عليه. ويمكن استخدام طرق المحاكاة في أسلوب مونت كارلو لمضاهاتها مع المشاكل الحقيقية، مثل استخدام البيانات التاريخية والتنبؤ بالنتائج المستقبلية. ويتم التوصل إلى التوزيعات الاحتمالية التي يستفاد منها كمدخلات لإتمام عملية المحاكاة، بطريقة عشوائية أو يمكن اشتقاقها من البيانات التاريخية. وفي المقابل، تكون النتائج ممثلة كتوزيعات احتمالية، ويتم استخدامها لتقدير قيمة التعرض للخطر في المحفظة الاستثمارية على سبيل المثال، أي لتوقع أسوأ خسارة محتملة في ظل مستوى معين من الثقة تعطى على مدى فترة زمنية محددة. وبطبيعة الحال، فإن طرق محاكاة مونت كارلو وتقديرات قيم الخسائر تعتمد على اتجاهات الأسعار التاريخية ومدى التقلب.
ويكون النظام المالي العالمي عند نقطة معينة من الزمن أشبه ما يكون بنظام مغلق، أي بشكل أساسي تمثيل مثالي للثروة والنشاط الاقتصادي، وبعبارة أخرى، يعد النظام المالي في حد ذاته كياناً مجرداً، وبالتالي تكون له خصائصه مثل تلك الموجودة في النموذج. ونتيجة لذلك، فإن الأنماط التي تحدث في الأسواق المالية لا تمثل كل العالم تماماً، كما أن كل نمط يوجد في النظام المالي يكون على الأرجح عرضة للتناقضات مع العالم الكامن، والتي لا تكون غير حتمية فحسب، وإنما عرضة للتغيير من دون أي إشعار مسبق. إذاً..فإن المشكلة هنا لا تتعلق بالاختلاف ضمن مجال معين، وإنما في اختلاف المجال نفسه، وأعني بذلك أن التغيير هيكلي وليس دورياً.
وتلاحظ الصحافية البريطانية الدكتور غيليان تيت، في مقال لها نشر في صحيفة «فايننشال تايمز»، وجاء تحت عنوان «علماء الرياضيات مطالبون بالخروج من أبراجهم العاجية»، إنه عندما قام نشاط التمويل باستقاء بعض الأفكار من الفيزياء، فقد تم التعامل مع فرع نيوتيني (نسبة إلى نيوتن) قديم الطراز في الفيزياء، وليس النظرية النسبية. ومثلما أجبرت نظرية النسبية العلماء على الاعتراف بأن الزمكان (أي الزمان والمكان) قابل للتوسع أو التقلص، يمكن لحسابات الاحتمالية التحول أيضاً وفقاً للسياق الذي توجد فيه. وهذا يعني أن أي نموذج إحصائي يتناول المخاطر المالية يكون تقريباً عرضة للعطب، وعلى النقيض من ذلك، فإن المستثمرين الذين يقومون بتطبيق التحليل الأساسي، مثل وارين بافيت، يعتمدون بشكل خاص على بيانات من العالم الكامن، بدلاً من التركيز على أنماط التبادلات التجارية التي تعكس النظام المالي فقط، وهو نوع من التجريد.
ولا يمكن حتى الاعتماد على النموذج الرياضي الصحيح، لأنه لا يعد كافياً لتبديد الخطر إذا ما وصل الفشل إلى حد الكارثة. ووفق ما يقوله وارين بافيت، «إذا أعطيتني بندقية يوجد فيها ألف مكمن للرصاص، أو لنقل مليون مكمن، في حين لا توجد سوى رصاصة واحدة في تلك المكامن، وطلبت مني أن أصوبها نحو رأسي، وأن أضغط على الزناد مرة واحدة، فإنني لن أقوم بهذا الفعل بغض النظر عن المبلغ المالي الذي تقدمه لي، لأنني ببساطة سأضع في الحسبان الجانب السلبي أكثر من الإيجابي في هذه المعادلة. كما أنني لن أبدي أي اهتمام في هذا النوع من الألعاب، مع أن بعض الناس قد يقبلون على الألعاب المالية المماثلة من دون التفكير فيها كثيراً. أعتقد أنه الجنون بعينه».
إن الفشل الذي مني به صندوق التحوط «لونغ تيرم كابيتال منجمنت» في العام 1998 أثبت على وجه اليقين، أن آليات نمذجة المخاطر تحتاج فقط إلى وضع هوامش من عدم الدقة في بعض جوانبها، أو خلال فترة زمنية محدودة لإبطال العمل في النموذج عندما يثبت فشله بصورة كاملة، لاسيما أن النماذج تكون هشة، كما أن العالم الذي تمثله بالغ التعقيد. ويقول إريك روزنفيلد، الرئيس السابق لصندوق «لونغ تيرم كابيتال منجمنت» «لقد كانت إدارة المخاطر على خطأ، وكانت تحقق ما هو مطلوب منها في الأيام التي تكون فيها الرؤية واضحة، مع أنه ينتظر منها التغلب على المشاكل في الأيام السيئة».
وفي إشارة إلى شركاء صندوق «لونغ تيرم كابيتال منجمنت»، يقول وارين بافيت «ربما يزعم هؤلاء الرجال أنه لا توجد هناك علاقة مع نموذج (سيكس سيغما) أو حتى المعايير المتبعة في (سيفن سيغما)، ولكنهم كانوا على خطأ. فالتاريخ لا يقول لكم أن احتمالات الأمور المالية المستقبلية يمكن أن تحدث. وكانوا يعتمدون إلى درجة كبيرة على الرياضيات، وشعروا أن العوامل المتغيرة (بيتا) للسهم يمكن أن تطلعكم على شيء ما تجاه مخاطر ذلك السهم. إن ذلك لا يقول لكم أي شيء حول مخاطر السهم من وجهة نظري، ولا يمكن لنماذج (سيغما) أن تطلعكم على خطر احتمال تعرضكم للإفلاس من وجهة نظري، وربما من وجهة نظرهم الآن أيضاً. وربما يحدث الشيء نفسه بطريقة مختلفة لأي واحد منا، لاسيما أننا نعاني من وجود بقعة عمياء لا يمكننا أن نكتشفها حول شيء ما يعد حاسماً، وإذا كان بالمقدور اكتشاف ذلك، سنتمكن من التعرف إلى الكثير من الحقائق حول هذا الجانب». إن هذا يتوافق مع رأي هنري كوفمان الذي أدلى به في وقت سابق، حيث قال إن «الشعب الذي تعرض للإفلاس في هذه الحالة ينقسم إلى نوعين، أما الفئة الأولى فهي تلك التي لا تعلم أي شيء، أما الثانية فهي التي تعرف كل شيء. إنه أمر محزن بطريقة أو بأخرى».
ووفق ما يقوله جورج سوروس «لا تكون مخاطر المشتقات خارج البورصة مفهومة تماماً بشكل دائم، حتى من قبل المستثمرين الأكثر اطلاعاً»، وهي حقيقة يبدو السيد سوروس متأكداً منها بصورة تامة. وفي التقرير السنوي الصادر في العام 2002 عن شركة «بيركشاير هاثاواي»، كتب وارين بافيت هذه الفقرة الشهيرة: «إن مارد المشتقات (الذي خرج من قمقمه بعد تحريره قبل عامين) بات الآن يسرح ويمرح على راحته بعد أن تخلص من سجنه، ويبدو من شبه المؤكد أن هذه المشتقات ستتضاعف في تنوعها وعددها ما لم تقع بعض الأحداث التي تظهر سميتها بصورة واضحة. ولم تتمكن البنوك المركزية والحكومات حتى الآن من التوصل إلى أي وسيلة فاعلة للسيطرة على المخاطر التي تشكلها هذه العقود أو حتى لإخضاعها للمراقبة. إننا نعرب عن تخوفنا إزاء الكميات المتزايدة من عقود المشتقات المالية طويلة الأجل والكمية الهائلة من المستحقات من دون ضمانات التي تنمو إلى جانبها. ومع ذلك، فإننا نرى أن المشتقات المالية تنتمي إلى أسلحة الدمار الشامل، وتحمل المخاطر التي قد تكون كامنة الآن، لكنها يمكن أن تكون مميتة».
مستوى الصفر
وفي شهر أغسطس من العام 2007، اتخذت البنوك المركزية إجراءات طارئة لتجنب حدوث أزمة الائتمان العالمية، ولكن جهودها جاءت بعد فوات الأوان. ففي شهر يونيو من العام 2008، بلغت القيمة الإسمية للمشتقات خارج البورصة ما يزيد على 683 تريليون دولار، أي أنها زادت بمستوى أكثر من الضعف مما كانت عليه قبل عامين.
إن الحدث الذي كان متوقعاً من قبل وارين بافيت في العام 2002، وقع يوم الأحد الموافق للرابع عشر من شهر سبتمبر من العام 2008، وتحديداً عندما أعلن بنك «ليمان براذرز» عن إفلاسه، ليسجل بذلك أكبر حالة إفلاس تجاري في تاريخ الولايات المتحدة. وأدى فشل بنك «ليمان براذرز» إلى إشعال فتيل سلسلة من تفاعلات المشتقات التي أثرت على الأطراف المقابلة لبنك «ليمان»، وكانت السبب المباشر لأزمة الائتمان. وبما أنه من المستحيل بالنسبة إلى الجهات الفاعلة في السوق معرفة المخاطر أو مقدار الديون التي تتحملها الأطراف المقابلة، فإن المشتقات خارج البورصة تقدم تصنيفات لا معنى لها. لقد توقف تدفق نشاط الائتمان والإقراض على الصعيد العالمي، ما أدى إلى إصابة النشاط الاقتصادي بالانكماش.
ولولا قيام الحكومات الغربية باتخاذ الإجراءات الطارئة، لكان من المرجح جداً أن تصيب تلك المشكلة المؤسسات المالية الكبرى كافة في العالم الغربي بالإفلاس في وقت واحد. وهدد الانهيار الوشيك للنظام المالي العالمي بتدمير الثروة وإلحاق الأضرار الفادحة في النشاط الاقتصادي، وإلى درجة تفوق بكثير التبعات التي تمخضت عن الكساد الكبير. وذكرت بعض التقارير أن أعضاء الكونغرس الأمريكي ناقشوا الكارثة المالية والاقتصادية واحتمالات فرض الأحكام العرفية مع هنري بولسون، الأمين العام السابق لوزارة الخزانة، وبن بيرنانكي، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، وفي شهادته أمام الكونغرس في وقت لاحق، أوضح السيد بولسون أنه عندما يفشل النظام المالي، فإن النظام الاقتصادي بأكمله في هذا البلد يمكن أن يكون عرضة للفشل، وبالتالي فإن الشبكة المترابطة لعقود المشتقات خارج البورصة «يمكن أن تنشر الفوضى، أو قد يثير الناس في ذلك البلد الكثير من التساؤلات حتى إزاء النظام الأساسي».
وتعرض السيد بولسون لانتقادات لاذعة على نطاق واسع إزاء هذا الغلو المزعوم، مع أن هذا اللوم في جزء منه على الأقل كان في غير محله. وعلى سبيل المثال، فقد تبين أنه رغم الجهود غير المسبوقة لدعم النظام المالي، فقد أدت أزمة الائتمان إلى إصابة حركة الملاحة الدولية بالشلل تقريباً بين عشية وضحاها، وانعكس انهيار خطابات الاعتماد المستخدمة من قبل المستوردين لدفع أثمان بضائعهم إلى جهات التوريد على مؤشر «بلطيق دراي» الذي يتتبع أسعار الشحن الدولية لمختلف البضائع الجافة على أساس عالمي.
ومع أنه من غير الممكن معرفة ما كان قد يحدث على وجه الدقة لو لم تقم الحكومات والبنوك المركزية بإنقاذ النظام المالي العالمي، يمكن الجزم بصورة مؤكدة أن النشاط الاقتصادي الحقيقي كان لا بد أن يقع فريسة للانكماش على نحو أسرع وبشدة أكثر، وسيكون تصرف الأسواق المالية بالطريقة نفسها، حيث ستتراجع بشكل حاد، وستحدث تدميراً أشد في الثروات. ورغم تجنب فشل النظام المالي العالمي بشق الأنفس، عمد بعض المعلقين إلى التقليل من خطورة المشكلة وعواقبها المحتملة في كثير من الأحيان.
أما الرأي القائل، إنه كان ينبغي التخلي عن المؤسسات المفلسة لتواجه مصير الفشل، ورغم انسجامه التام مع مبادئ الرأسمالية وأسس السوق الحرة، فإنه يطرح في الأغلب من دون تقدير حقيقة أنه كان يمكن أن تتعرض أغلبية البنوك الكبرى في العالم الغربي إلى الزوال التام، وعندها كان يتعين على الحكومات التعامل مع المودعين والمستثمرين. وعلاوة على ذلك، يبين التاريخ أن حالات الارتباك الاقتصادية الخطيرة يكون لها عواقب بشرية مأساوية، مثل تفشي المجاعة على نطاق واسع.
وفي التحليل النهائي، يتجلى أن الحكومات الغربية وقعت فعلياً رهائن في قبضة البنوك الكبيرة، ونتيجة عمليات إنقاذ البنوك التي كانت مثيرة للجدل بمرارة (والتي لا تزال جارية حتى الآن)، تكبد الاتحاد الأوروبي ما يقرب من 5.3 تريليون دولار، في حين دفعت الولايات المتحدة ما يقرب من 23.7 تريليون دولار (مع أن المبلغ الرسمي المعلن وصل إلى 4 تريليونات دولار).
وبالعودة إلى الاجتماع الذي نظمته مجلة «ذي إيكونوميست» في قاعة «هابرداشرز» الجديدة والمثيرة للإعجاب التابعة لمؤسسة مدينة لندن، قال جورج سوروس «إن النجاح في إنقاذ نظامنا المالي في المرة السابقة أدى إلى ظهور فقاعة فائقة، إلا أننا اتبعنا الأساليب في العام 2008. وما لم نتعلم من هذه الدروس، وما لم ندرك حقيقة أن الأسواق غير مستقرة بطبيعتها، وأن الاستقرار يجب أن يكون هدف السياسة العامة، فإننا سنواجه حتماً فقاعة الديون السيادية الأكبر حجماً. لقد قمنا بإضافة المزيد من الضغط على الديون عن طريق استبدال الائتمان الخاص بالائتمان السيادي، وزيادة الدين القومي إلى حد كبير».
التنظيم والإيديولوجيا
وبالنسبة إلى دافعي الضرائب في الدول الغربية، فقد جاءت الديون متراكمة على مدى أجيال، مع ما تكبدوه من خسائر في ثرواتهم من خلال محافظ الأوراق المالية وقيم الأصول، إلى جانب الخسائر الأخرى الناجمة عن الركود الاقتصادي الحاد، مثل خسارة العائدات التجارية أو الإعسار، والبطالة الشخصية أو الإفلاس، وما إلى ذلك. ولم تتجل بوضوح العواقب السياسية التي ستقود إليها الأزمة، ولا يمكن لمواطني الدول المتضررة التمتع بالمستوى المطلوب من الراحة، خصوصاً عندما يعلمون أن الوضع يمكن أن يتحول إلى الأسوأ، لاسيما أن السبب الجذري لهذه المشكلة كان ولا يزال عبارة عن فقاعة اقتصادية ضخمة تتغذى بالمضاربة المتهورة التي تم الكشف عنها لاحقاً، وكانت بعيدة كل البعد عن النشاط الاقتصادي الحقيقي.
وعلاوة على ذلك، تبقى الديون الضخمة التي تثقل كاهل الحكومات الغربية لا تمثل سوى نسبة مئوية هامشية من المطلوبات المحتملة الناجمة عن المشتقات خارج البورصة التي لا تزال قابعة في دهاليز النظام المالي العالمي. ونقل عن وارين بافيت في الآونة الأخيرة قوله إنه «عندما تتم كتابة التاريخ المالي لهذا العقد، فإنه سيتكلم بالتأكيد عن فقاعة الإنترنت في أواخر تسعينات القرن الماضي، وفقاعة الإسكان في وقت مبكر من بداية القرن الحادي والعشرين، لكنه سيدرج فقاعة سندات الخزانة الأمريكية في أواخر العام 2008 على أنها مشكلة استثنائية تقريباً». ولا تزال ديون الخزانة الأمريكية تواصل نموها، في وقت تتواصل فيه التدابير الطارئة خارج إطار الفترات الزمنية المتوقعة لها. وقال بن بيرنانكي، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في خطاب ألقاه مؤخراً إنه «من غير المعقول أن يكون مصير الاقتصاد العالمي مرتبطاً بشكل وثيق مع حظوظ عدد صغير نسبياً من الشركات المالية العملاقة. وإذا كان من المتعذر بالنسبة إلينا أن نحقق أي شيء في أعقاب الأزمة، يجب علينا الحرص تماماً على تفادي الوقوع في هذا الوضع مرة أخرى».
فشل الإنقاذ
لكن للأسف، تبدو هذه النقطة التي يثيرها بيرنانكي موضع نقاش، فبعد سنتين ونصف السنة من ظهور الأزمة، لم يتحقق أي شيء تقريباً في أعقاب الأزمة المالية العالمية لتنظيم المشتقات خارج البورصة أو للسيطرة على المخاطر الشديدة التي قد تنجم عنها. ومع أن هناك بضع ولايات أمريكية والكثير من الدول الأوروبية تواجه خطر الإفلاس الفعلي في الوقت الراهن، يبدو أن الحكومات الغربية استنفذت قدراتها لإنقاذ المؤسسات المالية، وبالتالي فإن احتمال خطر تعرض النظام برمته للفشل في الوقت الجاري يبدو أعلى مما كان عليه قبل بداية الأزمة في العام 2008، في حين أنه لا توجد هناك أي مساندة للنظام المالي العالمي، بخلاف تسييل الديون أو عمليات النقدنة التي من شأنها أن تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، أو حتى الوقوع في التضخم المفرط. وربما سيذكر التاريخ أن الأزمة المالية العالمية التي بدأت في العام 2008 كانت بمثابة خيار مصيري بين البنوك الفاشلة والأمم الفاشلة.
وفي إطار الجهود التي قادها النائب بارني فرانك في مجلس النواب، والسيناتور كريس دود في مجلس الشيوخ، فقد تم تجميع طيف واسع من إصلاحات النظام المالي من أجل الخروج بمشروع قانون واحد جاء في أكثر من 1400 صفحة. ويشتمل هذا المشروع الضخم على الكثير من الأحكام البديهية، مثل إعادة فرض الحظر على الشركات المصرفية القابضة لمنعها من امتلاك أنواع أخرى من الشركات المالية (علماً بأن هذا القانون فرض في العام 1934 كجزء من قانون غلاس ستيغال، وتم وقف العمل به في 12 نوفمبر من العام 1999، بعد أن حل مكانه قانون غرام - ليتش بليلي)، ويبدي النائب رون بول تأييداً واسعاً لإخضاع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لمراجعة التدقيق (انطلاقاً من قانونين سابقين يحمل الأول الرمز «إتش آر 1207» والثاني «إس 604»)، ومع ذلك، يقف مشروع القانون قاصراً أمام إعادة العمل بالتغييرات على قانون تبادل السلع التي وردت في قانون تحديث السلع المستقبلية للعام 2000. وبدعم من غرينسبان وروبين وسومرز، يعد قانون تحديث السلع الآجلة للعام 2000 هو المسؤول عن فسح المجال أمام إخراج مارد المشتقات خارج البورصة من القمقم، ما أسفر عن الانتشار العالمي لأسلحة الدمار الشامل المالية.
ويشتمل مشروع القانون الوارد في 1410 صفحة (يحمل الرمز إس 3217)، والمطروح للنقاش تحت اسم «قانون استعادة الاستقرار المالي الأمريكي للعام 2010»، على ما يقرب من 150 صفحة تتعلق بالمشتقات المالية فقط، لكن في الوقت ذاته تجري حالياً دراسة الكثير من المقترحات المضادة لأحكام محددة واردة فيه. وليس من المستغرب أن تجابه إجراءات السيطرة على المشتقات خارج البورصة ومنع مؤسسات الودائع من الانخراط في تجارة المشتقات المالية خارج البورصة بمعارضة شديدة من جانب البنوك التي تضغط بنشاط ضد مشروع قانون الإصلاح المقترح.
ولا تزال الآيدلوجية المالية الفاشلة للثلاثي «غرينسبان وروبن وسومرز»، وما قادت إليه من أزمة مالية بدأت في العام 2008، عميقة الجذور في واشنطن العاصمة. ومع أن الخطاب السياسي في الانتخابات للعام الجاري يركز على حماية المستهلك لا تحظى الإصلاحات الحيوية لاستقرار النظام الأساسي بإقبال الحشود التي تجمع على أهميتها. وعلى سبيل المثال، تم في وقت مبكر إسقاط الاقتراحات التي كانت تطالب بفرض حظر على مقايضات الديون. ويقول بول فولكر، المستشار الاقتصادي الحالي للرئيس باراك أوباما، ورئيس المجلس الاستشاري للانتعاش الاقتصادي التابع للرئيس الأمريكي، والرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، إن «توفير المشتقات من قبل البنوك التجارية لعملائها في السياق المعتاد للعلاقة المصرفية لا ينبغي أن يفرض عليه الحظر». وعلى نحو مماثل، فقد كان الفشل مصير خطط إنشاء صندوق للإنقاذ بهدف حماية دافعي الضرائب من الوقوع رهينة مرة أخرى في أيدي البنوك الأكبر من أن تفشل وكذلك الحال بالنسبة إلى الخطط الداعية لتفكيك «تلك البنوك التي توصف بأنها أكبر من أن تفشل، فيجري حالياً إضعاف الجهود التي بذلت لإخضاع مجلس الاحتياطي الفيدرالي للتدقيق، لتقتصر على عملية واحدة.
إن تبادل المشتقات في أسواق البورصة النظامية قد يكون خطوة كبيرة إلى الأمام، لكنها ربما لا تكون كافية، فالفقاعات الاقتصادية لا يمكن رؤيتها من قبل الأطراف القابعين فيها، ولا يشكل الكونغرس في الولايات المتحدة استثناء عن هذه القاعدة، وينبغي علينا الاعتراف أن فقاعة المشتقات التي يصل حجمها إلى 604.6 تريليون دولار، أي ما يزيد على عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، تمثل قضية عالمية يجب أن تكون مثيرة للقلق. وإذا ظلت المشتقات خارج البورصة على حالها، في ظل انعدام وجود أي قيود على تبادلات البنوك التجارية في قطاع المشتقات، لا يمكننا التوصل إلى أي تخفيض فعلي أو فوري للمخاطر المنهجية القائمة.
وهكذا، فإن المخاطر التي أدت إلى الأزمة المالية في العام 2008 ربما تظل قابعة في النظام المالي العالمي لسنوات أخرى مقبلة. وفي الواقع، تواجه بنوك عدة المزيد من مخاطر أدوات مقايضة عجز الديون في الوقت الراهن أكثر مما كان عليه الوضع في العام 2008، وأخيراً فإن تمرير صيغة من قانون الإصلاح المالي موافق عليها من قبل البنوك لن يحول دون وقوع أزمة مالية عالمية أخرى، مع أن إنجازاً من هذا النوع قد يتم تصويره على أنه انتصار سياسي، أو يمكن الاستفادة منه لتهدئة الأسواق المالية بصورة مؤقتة.
</H1>
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]
#attachments { display: none; }لا تحظى الفقاعات الاقتصادية باعتراف من هم يقبعون داخلها، علماً بأن العالم الغربي بأكمله أصبح محاصراً بهدوء داخل أكبر فقاعة اقتصادية في التاريخ. وتعزى الأزمة المالية العالمية التي بدأت في العام 2008 لعمليات قروض الرهن العقاري الثانوي والأوراق المالية المدعومة بالرهن، مثل التزامات الديون المضمونة بالسندات المالية، والتي أماطت اللثام عن وجهها الحقيقي ليتبين أنها من الأصول السامة.
وفي الوقت الذي يفترض فيه أن السبب الجذري للأزمة المالية يعزى أصلاً إلى فقاعة أسعار الأصول العقارية السكنية والمخاطر الممنهجة الكامنة، إلا أن السبب الرئيس لمنح البنوك شهادة «أكبر من أن تفشل» حيث أجبرت الحكومات على إنقاذ المؤسسات المالية بأي ثمن، يتمثل في ما يمكننا أن نطلق عليه المشتقات المالية التي يجري تداولها خارج البورصة، أو مشتقات المنتجات الجاهزة. وأدى تعليق العمل بقاعدة إعادة التقييم وفقاً لأسعار السوق الصادرة عن لجنة معايير المحاسبة المالية الأمريكية في العام 2009، إلى الحفاظ على قيمة الموازنات العمومية للبنوك، أي محافظ الرهن العقاري فيها، لكن الشيء الأكثر أهمية من ذلك بكثير هو أن هذا الإجراء حال دون إطلاق آلاف عقود المشتقات المالية خارج البورصة، مثل مقايضة العجز عن سداد الائتمان التي كان يخشى معها أن تمحو تقريباً كبريات المؤسسات المصرفية كافة في العالم.
ويمكن للمشتقات خارج البورصة أن تلعب دوراً مباشراً لتكون بمثابة بوالص تأمين مالية تغطي المخاطر التجارية الحقيقية كافة. وفي سيناريو التحوط، يكون المستثمر عرضة لسعر الفائدة المتغير الذي قد يتحول ليشكل خطورة حقيقية إلى مستثمر آخر (الطرف المقابل) عن طريق الدخول في مبادلة أسعار الفائدة. إن عقد التبادل هو بمثابة اتفاقية لتبادل التدفقات النقدية، وفي حال ارتفاع أسعار الفائدة، يقوم المستثمر الثاني بدفع الفرق، في حين يتعين على المستثمر الأول دفع السعر الأصلي (للمستثمر الثاني)، إلى جانب تكاليف المبادلة.
وبطبيعة الحال، فإنه لو افترضنا تعرض المستثمر الثاني لمشكلة الإعسار، يبقى المستثمر الأصلي متحملاً للمسؤولية أمام الجهة المقرضة، ولن يكون بمقدوره التمتع بالتأمين من المخاطر التي قدمها المستثمر الثاني، فضلاً عن دفع أي مبلغ صافٍ للمستثمر الثاني. وتكون فرص عزل المخاطر على المستثمرين محدودة جداً، لكن يمكن للمستثمر الثاني تعويض المخاطر التي قد يتعرض لها عن طريق مستثمر ثالث، وهكذا دواليك، الأمر الذي يؤدي إلى نشوء شبكة غير منتهية من المخاطر المترابطة مع بعضها بعضاً.
وهناك أنواع أخرى من المشتقات التي يجري تداولها أو التفاوض عليها بين الأطراف خارج البورصة، ومنها مبادلات سعر صرف العملة التي تعد في الأساس عقوداً آجلة غير معيارية، وكذلك مقايضة العجز عن سداد الائتمان. ويمكن استخدام هذه الأنواع من المشتقات خارج البورصة في نشاطات المضاربة، وكذلك في ممارسات التحوط. وفي سيناريو المضاربة، تكون هذه المشتقات شبيهة جداً بالمراهنات، ومن ذلك على سبيل المثال، أن يتم الرهان على أن شركة معينة ستتخلف عن التزامات سنداتها، ولا ترتبط المضاربة في المشتقات المالية خارج البورصة مع أي من الأصول أو أي مخاطر تجارية حقيقية، لكن الالتزامات والمخاطر التي تخلقها تكون حقيقية. وبموجب القوانين على مستوى الولايات لهذه اللعبة، كان استخدام المضاربة في المشتقات خارج البورصة، مثل مقايضة العجز المجرد عن سداد الائتمان والتزامات الديون المضمونة بالسندات المالية الاصطناعية، غير قانوني في الولايات المتحدة، ولكن تم إبطال العمل بها بعد صدور القانون الفيدرالي عن الحكومة الأمريكية، والذي حمل اسم «قانون تحديث العقود الآجلة للسلع في العام 2000».
ويتم تداول المشتقات في مختلف الأصول الأساسية في ظل غياب مراكز أو شركات تبادل المعلومات، أي في الأسواق التي لا تخضع للتنظيم، وبما أنه لا يتم تداولها في البورصة، فإن هذه المشتقات، مثل مقايضة العجز عن سداد الائتمان، لا تحظى بالفهم العميق على نطاق واسع. وفي أسواق المشتقات خارج البورصة، يؤدي خطر العجز عن السداد من جانب الأطراف الأخرى إلى شبكة من العلاقات المتبادلة التي تعتمد على بعضها بعضاً بين الجهات الفاعلة في السوق، الأمر الذي يعزز من خطر التقلبات التي تعرض النظام المالي إلى خطر ممنهج، وهو ما تجلى بوضوح في العام 2008 عندما انهارت مؤسسة «ليمان براذرز هولدينغز».
ومن الناحية الرسمية، يوجد ما يقرب من 604.6 تريليون دولار على شكل عقود المشتقات خارج البورصة، أي ما يزيد على عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي العالمي البالغ 57.33 تريليون دولار، لتبقى هذه الأموال بمثابة سيوف مشرعة على رقبة النظام المالي العالمي، مع أن فقاعة هذه المشتقات تبقى غير مرئية بالنسبة إلى المستثمر العادي. ومن وجهة نظر الآخرين الذين يكونون خارج نطاق هذه الفقاعة، فإنهم يرون انفجار المشتقات خارج البورصة شيئاً من الهوس.
إن مشكلة انعدام الشفافية المتأصلة في أسواق المشتقات خارج البورصة تعوق اكتشاف الأسعار، وتبطل تماماً فرضية كفاءة الأسواق القائلة، إن الأدوات المالية يتم تسعيرها دائماً بشكل صحيح، وبالتالي فإن المشتقات خارج البورصة والمخاطر المرتبطة بها قد يخضع ذلك لسياسة تسعيرية غير صحيحة، كما هي الحال بالنسبة إلى التزامات الديون المضمونة بالسندات المالية الاصطناعية التي أصدرتها مجموعة التأمين الأمريكية المعروفة «أمريكان إنترناشيونال غروب».
ورغم أن اهتمام وسائل الإعلام لا يزال مركزاً على الهدف السياسي من الانتعاش الاقتصادي والعقارات السكنية، إلا أن السبب الحقيقي لما بات يعرف في ما بعد باسم «أزمة الائتمان» لا يزال على حاله خارج نطاق البنوك المركزية والحكومات.
التنظيم والإيديولوجيا
وعندما حاولت هيئة تداول السلع الآجلة تنظيم المشتقات خارج البورصة في العام 1998، جوبهت مقترحاتها بالرفض من جانب ألان غرينسبان، الذي كان يشغل في تلك الفترة منصب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وروبرت روبن، وزير الخزانة، ولورنس سومرز، مساعد وزير وزارة الخزانة في تلك الفترة. وفي ذلك الوقت، كانت التنظيمات المعمول بها تجرى بصورة مضادة للأيديولوجية المهيمنة في العاصمة واشنطن، والتي كانت تعكس وجهات نظر ومصالح القطاع المصرفي وقطاع الخدمات المالية.
ورغم التحذيرات التي صدرت في وقت مبكر، مثل تعرض «أورانج كاونتي» بولاية كاليفورنيا للإفلاس، والدعوى القضائية التي رفعتها شركة «بروكتر آند غامبل» ضد مؤسسة «بانكرز تراست»، وتعرض مؤسسة «لونع تيرم كابيتال منجمنت» للفشل، إلا أن الفريق المعني بالأسواق المالية العامل مع الرئيس وصف المشتقات المالية خارج البورصة في شهر نوفمبر من العام 1999 على أنها تمثل واحداً من الابتكارات المهمة التي «حولت عالم المال وأسهمت في زيادة نطاق المنتجات المالية المتاحة للشركات والمستثمرين، وعززت الكثير من الوسائل الأكثر دقة لفهم وتحديد وإدارة المخاطر»، وفي العام 2000، قام كل من غرينسبان وروبن وسامرز بدعم إجراءات تحرير المشتقات خارج البورصة.
إن الأساس التنظيمي للمشتقات خارج البورصة ينبع من استخدام مشتقات للتحايل على الأنظمة القائمة والقوانين الضريبية، حيث إن المستثمرين الذين يحظر عليهم الاستثمار في أدوات مالية معينة يمكنهم مواصلة القيام بمواقف متطابقة تقريباً في أسواق المشتقات خارج البورصة التي تكون بعيدة عن أي تشريعات تنظيمية. ومن خلال تغيير نوع أو مصدر أو توقيت الدخل، يكون للمشتقات خارج البورصة نتائج ضريبية مختلفة مقارنة بالاستثمارات في السلع الأساسية أو الأدوات المالية. ويمكن لهذه المشتقات أيضاً خلق خطر معنوي وحوافز ضارة، إذ قد تنشأ المخاطر المعنوية عندما يقوم كيان ما بتحمل المزيد من المخاطر أكثر مما يجب من دون الأخذ في الحسبان تلك الآثار التي قد تطال الأطراف المقابلة، لأن المديرين التنفيذيين القائمين على هذا الكيان يدركون في قرارة أنفسهم أنهم سيحظون بالإنقاذ إذا ما تعرضت شركتهم للإعسار.
ومن بين النماذج الدالة على الحوافز الضارة، أنها تظهر من النقطة التي تبدأ فيها تلك الشركة بتحقيق الأرباح في سوق مقايضة العجز عن سداد الائتمان، ومن ذلك على سبيل المثال، إذا تعرضت شركة معينة للعجز عن تسديد التزامات سنداتها، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بعلاقات أخرى مع الشركة التي تؤثر في النتيجة، مثل الجهة الدائنة. إن انتشار المضاربة على نطاق واسع يضع الشركات المالية والنظام المالي نفسه في قلب الخطر، كما أنه يجبر الحكومات على انتقاء أحد خيارين أحلاهما مر، أما الأول فهو إنقاذ المستثمرين الذين لم يكونوا مسؤولين عن تصرفاتهم، أو السماح بوقوع الاضطراب الاقتصادي الذي قد يؤدي إلى فشل النظام المالي.
إن تنظيم المشتقات المالية خارج البورصة، أي إدراجها في أسواق البورصة النظامية، يعد أفضل خطوة لزيادة الشفافية، وفرض توحيد للعقود، وتوفير الطمأنينة القانونية. وبما أن المشتقات يمكن أن تكون مصدراً للتمويل خارج الموازنة، يمكن للتنظيم أيضاً أن يجعل الديون الحقيقية التي تتحملها الشركات المالية واضحة أمام المستثمرين. ويضمن التنظيم أيضاً القدرة للأطراف المقابلة لتغطية خسائرها، ومن شأن ذلك أن يساعد على احتواء المضاربة، والحد بشكل كبير من المخاطر الممنهجة.
المخاطر الأساسية
ولو افترضنا قيام كل لاعب في السوق بالسعي للتحوط من المخاطر على نحو مماثل، فإن القيمة الإجمالية الإسمية لجميع المشتقات خارج البورصة ستنمو بشكل مطرد، ولو أخذنا بالحسبان القيم الإسمية للعقود الحالية، لوجدنا أن المضاربة تمثل بوضوح جزءاً كبيراً من إجمالي المشتقات خارج البورصة. وفي الوقت الذي ينمو فيه العدد والقيمة الإسمية الإجمالية للمشتقات خارج البورصة، سيزداد حجم المخاطر الممنهجة نظراً لوجود المزيد من علاقات الترابط المتبادلة بين السلسلة الطويلة من الأطراف، ناهيك عن التعقيد والمخاطر الائتمانية، أي أن التأثير الممنهج للفشل الذي يتعرض له طرف معين سيزداد، ويكون من المتعذر التنبؤ به في الوقت نفسه.
وبدلاً من اللجوء إلى نهج توزيع المخاطر، بدا واضحاً في العام 2008 أن المشتقات خارج البورصة أسهمت في زيادة حجم انعدام استقرار النظام المالي، واحتمال فشل النظام بأكمله بصورة ممنهجة نظراً لتعقيد هذا النشاط، وانعدم الشفافية في العقود، والتعرض للديون بصورة غير متناسبة، والاعتماد على الأسواق الأخرى التي تكون بدورها عرضة لقوى مربكة، كما بدا واضحاً أيضاً في العام ذاته أن هناك أسباباً مهمة تؤكد على حقيقة أن المشتقات خارج البورصة تشجع مشكلة انعدام الاستقرار على نحو ممنهج.
العالم الكامل
وبما أن شروط عقود المشتقات تشمل عوامل سوقية قد تؤدي بدورها إلى تغيير استقلالية الإجراءات التي يمكن اتخاذها من جانب الأطراف المقابلة، يمكن للمشتقات خارج البورصة أن تخلق نوعاً محتملاً من مخاطر التعرض للائتمان، وبالتالي فإنها تنطوي على عنصر جوهري من مشكلة انعدام الرؤية، إضافة إلى المخاطر التي ربما يتسبب بها الطرف المقابل. ومع ذلك، فإن الأمر الأكثر أهمية هو أنه بسبب ميل الأطراف المقابلة إلى المشاركة في الأسواق نفسها، ستنشأ علاقة ضمنية لا محالة، وكلما زاد مستوى المخاطر عمقاً، ستحدث المخاطر الذاتية عندما تواجه الصناديق أو المؤسسات التي تتخذ مواقف مماثلة، وتتحمل المخاطر نفسها، وتختار الإجراءات المفضلة ذاتها، ما يعني في نهاية المطاف خلق علاقات غير متوقعة بين المواقف المختلفة وغير المترابطة اقتصادياً مع بعضها.
وفي الوقت ذاته، فإن المخاطر التي تنتقل بين الأطراف تبقى موجودة في النظام المالي، ولكن وجودها يتخذ أشكالاً مختلفة، وربما لا تكون مفهومة بشكل جيد. وبغض النظر عن التقنيات المستخدمة لوضع نموذج للخطر، ورغم إلغاء نظرية المخاطر، أي أن اتخاذ موقفين خطيرين سوياً في نفس الوقت قد يسهم بشكل فاعل في الحد من الخطر، إلا أن اللاعبين في السوق يسعون بصورة طبيعية لنقل المخاطر إلى الأطراف المقابلة، في الوقت الذي يدفعون فيه القيمة العادلة فقط إذا كان ذلك ممكناً، ويقبلون تحمل المخاطر الأقل مستوى فقط مقابل أقساط عندما يتحملون المسؤولية.
وعندما تستخدم المشتقات خارج البورصة بطريقة غير مسؤولة، فإنها تعرض الأطراف المقابلة إلى مخاطر ربما لن يقبلوا بها إذا توافرت بين أيديهم المعلومات كافة ذات الصلة. ويتطلب تحقيق أقصى قدر من الأرباح في هذه البيئة البعيدة عند التنظيم، استغلال الاختلالات الكامنة في المخاطر، والتي ترتبط بشكل إيجابي مع عدم استقرار النظام. وبما أنه يستحيل من حيث المبدأ بالنسبة إلى جميع اللاعبين في السوق الفوز في هذه المنافسة والتغلب على المخاطر مع مضاعفة الأرباح، فإن فئة من هؤلاء اللاعبين يعجزون دائماً عن تقييم المخاطر، ونتيجة لذلك يقعون في مصيدة الإعسار.
وعندما يتعرض أي لاعب في السوق إلى الفشل، فإنه لن يسقط لوحده، بل إن العلاقات التي تربط بين الكثيرين ستحولهم إلى حجارة دومينو، إذا تداعى أحدهم سيدفع بمن يجاوره، إلى أن ينتهي الأمر بسقوط الأطراف كافة في هذه السلسلة اللامتناهية، وإلى مستوى قد يسحب معه الفائزين والخاسرين على حد سواء. إن حالة التشويش على المخاطر والآليات التنافسية تسهم في ازدهار مشكلة انعدام الشفافية وزعزعة استقرار النظام في نهاية المطاف.
وبما أن التوزيعات الطبيعية (الغاوسية)، أو متوسط مختزل التوزيع المعرف بدالة الكثافة، لا يمكن تطبيقه على العالم الحقيقي، يكون من المرجح حدوث تغيرات كبيرة صعوداً أو هبوطاً في سوق الأسهم، ولا يلاحظ حدوث توزيع عادي أو انحراف معياري (سيغما)، ومع ذلك، يمكن وضع نموذج للخطر باستخدام الطرق الإحصائية، مثل أسلوب مونتي كارلو.
الرسم البياني من «جيه دبليو ويتوار» (أسس مونتي كارلو للمحاكاة)
إن أسلوب مونت كارلو الذي حمل هذا الاسم نسبة إلى الكازينوهات الموجودة في مونت كارلو، يعد أسلوباً عشوائياً، وهذا يعني أنه يتم تحديد حالة النموذج عن طريق عناصر يمكن التنبؤ بها وأخرى عشوائية على حد سواء. ويوفر أسلوب مونتي كارلو وسيلة لتحليل انعدام الرؤية أو اليقين نحو احتمالات ما، مثل لعبة النرد، وعلى سبيل المثال، يمكن استخدام طريقة مونت كارلو لتحليل آثار التفاوت العشوائي أو الأخطاء في الحساسية، أو أداء نظام ما أو مستوى الاعتماد عليه. ويمكن استخدام طرق المحاكاة في أسلوب مونت كارلو لمضاهاتها مع المشاكل الحقيقية، مثل استخدام البيانات التاريخية والتنبؤ بالنتائج المستقبلية. ويتم التوصل إلى التوزيعات الاحتمالية التي يستفاد منها كمدخلات لإتمام عملية المحاكاة، بطريقة عشوائية أو يمكن اشتقاقها من البيانات التاريخية. وفي المقابل، تكون النتائج ممثلة كتوزيعات احتمالية، ويتم استخدامها لتقدير قيمة التعرض للخطر في المحفظة الاستثمارية على سبيل المثال، أي لتوقع أسوأ خسارة محتملة في ظل مستوى معين من الثقة تعطى على مدى فترة زمنية محددة. وبطبيعة الحال، فإن طرق محاكاة مونت كارلو وتقديرات قيم الخسائر تعتمد على اتجاهات الأسعار التاريخية ومدى التقلب.
ويكون النظام المالي العالمي عند نقطة معينة من الزمن أشبه ما يكون بنظام مغلق، أي بشكل أساسي تمثيل مثالي للثروة والنشاط الاقتصادي، وبعبارة أخرى، يعد النظام المالي في حد ذاته كياناً مجرداً، وبالتالي تكون له خصائصه مثل تلك الموجودة في النموذج. ونتيجة لذلك، فإن الأنماط التي تحدث في الأسواق المالية لا تمثل كل العالم تماماً، كما أن كل نمط يوجد في النظام المالي يكون على الأرجح عرضة للتناقضات مع العالم الكامن، والتي لا تكون غير حتمية فحسب، وإنما عرضة للتغيير من دون أي إشعار مسبق. إذاً..فإن المشكلة هنا لا تتعلق بالاختلاف ضمن مجال معين، وإنما في اختلاف المجال نفسه، وأعني بذلك أن التغيير هيكلي وليس دورياً.
وتلاحظ الصحافية البريطانية الدكتور غيليان تيت، في مقال لها نشر في صحيفة «فايننشال تايمز»، وجاء تحت عنوان «علماء الرياضيات مطالبون بالخروج من أبراجهم العاجية»، إنه عندما قام نشاط التمويل باستقاء بعض الأفكار من الفيزياء، فقد تم التعامل مع فرع نيوتيني (نسبة إلى نيوتن) قديم الطراز في الفيزياء، وليس النظرية النسبية. ومثلما أجبرت نظرية النسبية العلماء على الاعتراف بأن الزمكان (أي الزمان والمكان) قابل للتوسع أو التقلص، يمكن لحسابات الاحتمالية التحول أيضاً وفقاً للسياق الذي توجد فيه. وهذا يعني أن أي نموذج إحصائي يتناول المخاطر المالية يكون تقريباً عرضة للعطب، وعلى النقيض من ذلك، فإن المستثمرين الذين يقومون بتطبيق التحليل الأساسي، مثل وارين بافيت، يعتمدون بشكل خاص على بيانات من العالم الكامن، بدلاً من التركيز على أنماط التبادلات التجارية التي تعكس النظام المالي فقط، وهو نوع من التجريد.
ولا يمكن حتى الاعتماد على النموذج الرياضي الصحيح، لأنه لا يعد كافياً لتبديد الخطر إذا ما وصل الفشل إلى حد الكارثة. ووفق ما يقوله وارين بافيت، «إذا أعطيتني بندقية يوجد فيها ألف مكمن للرصاص، أو لنقل مليون مكمن، في حين لا توجد سوى رصاصة واحدة في تلك المكامن، وطلبت مني أن أصوبها نحو رأسي، وأن أضغط على الزناد مرة واحدة، فإنني لن أقوم بهذا الفعل بغض النظر عن المبلغ المالي الذي تقدمه لي، لأنني ببساطة سأضع في الحسبان الجانب السلبي أكثر من الإيجابي في هذه المعادلة. كما أنني لن أبدي أي اهتمام في هذا النوع من الألعاب، مع أن بعض الناس قد يقبلون على الألعاب المالية المماثلة من دون التفكير فيها كثيراً. أعتقد أنه الجنون بعينه».
إن الفشل الذي مني به صندوق التحوط «لونغ تيرم كابيتال منجمنت» في العام 1998 أثبت على وجه اليقين، أن آليات نمذجة المخاطر تحتاج فقط إلى وضع هوامش من عدم الدقة في بعض جوانبها، أو خلال فترة زمنية محدودة لإبطال العمل في النموذج عندما يثبت فشله بصورة كاملة، لاسيما أن النماذج تكون هشة، كما أن العالم الذي تمثله بالغ التعقيد. ويقول إريك روزنفيلد، الرئيس السابق لصندوق «لونغ تيرم كابيتال منجمنت» «لقد كانت إدارة المخاطر على خطأ، وكانت تحقق ما هو مطلوب منها في الأيام التي تكون فيها الرؤية واضحة، مع أنه ينتظر منها التغلب على المشاكل في الأيام السيئة».
وفي إشارة إلى شركاء صندوق «لونغ تيرم كابيتال منجمنت»، يقول وارين بافيت «ربما يزعم هؤلاء الرجال أنه لا توجد هناك علاقة مع نموذج (سيكس سيغما) أو حتى المعايير المتبعة في (سيفن سيغما)، ولكنهم كانوا على خطأ. فالتاريخ لا يقول لكم أن احتمالات الأمور المالية المستقبلية يمكن أن تحدث. وكانوا يعتمدون إلى درجة كبيرة على الرياضيات، وشعروا أن العوامل المتغيرة (بيتا) للسهم يمكن أن تطلعكم على شيء ما تجاه مخاطر ذلك السهم. إن ذلك لا يقول لكم أي شيء حول مخاطر السهم من وجهة نظري، ولا يمكن لنماذج (سيغما) أن تطلعكم على خطر احتمال تعرضكم للإفلاس من وجهة نظري، وربما من وجهة نظرهم الآن أيضاً. وربما يحدث الشيء نفسه بطريقة مختلفة لأي واحد منا، لاسيما أننا نعاني من وجود بقعة عمياء لا يمكننا أن نكتشفها حول شيء ما يعد حاسماً، وإذا كان بالمقدور اكتشاف ذلك، سنتمكن من التعرف إلى الكثير من الحقائق حول هذا الجانب». إن هذا يتوافق مع رأي هنري كوفمان الذي أدلى به في وقت سابق، حيث قال إن «الشعب الذي تعرض للإفلاس في هذه الحالة ينقسم إلى نوعين، أما الفئة الأولى فهي تلك التي لا تعلم أي شيء، أما الثانية فهي التي تعرف كل شيء. إنه أمر محزن بطريقة أو بأخرى».
ووفق ما يقوله جورج سوروس «لا تكون مخاطر المشتقات خارج البورصة مفهومة تماماً بشكل دائم، حتى من قبل المستثمرين الأكثر اطلاعاً»، وهي حقيقة يبدو السيد سوروس متأكداً منها بصورة تامة. وفي التقرير السنوي الصادر في العام 2002 عن شركة «بيركشاير هاثاواي»، كتب وارين بافيت هذه الفقرة الشهيرة: «إن مارد المشتقات (الذي خرج من قمقمه بعد تحريره قبل عامين) بات الآن يسرح ويمرح على راحته بعد أن تخلص من سجنه، ويبدو من شبه المؤكد أن هذه المشتقات ستتضاعف في تنوعها وعددها ما لم تقع بعض الأحداث التي تظهر سميتها بصورة واضحة. ولم تتمكن البنوك المركزية والحكومات حتى الآن من التوصل إلى أي وسيلة فاعلة للسيطرة على المخاطر التي تشكلها هذه العقود أو حتى لإخضاعها للمراقبة. إننا نعرب عن تخوفنا إزاء الكميات المتزايدة من عقود المشتقات المالية طويلة الأجل والكمية الهائلة من المستحقات من دون ضمانات التي تنمو إلى جانبها. ومع ذلك، فإننا نرى أن المشتقات المالية تنتمي إلى أسلحة الدمار الشامل، وتحمل المخاطر التي قد تكون كامنة الآن، لكنها يمكن أن تكون مميتة».
مستوى الصفر
وفي شهر أغسطس من العام 2007، اتخذت البنوك المركزية إجراءات طارئة لتجنب حدوث أزمة الائتمان العالمية، ولكن جهودها جاءت بعد فوات الأوان. ففي شهر يونيو من العام 2008، بلغت القيمة الإسمية للمشتقات خارج البورصة ما يزيد على 683 تريليون دولار، أي أنها زادت بمستوى أكثر من الضعف مما كانت عليه قبل عامين.
إن الحدث الذي كان متوقعاً من قبل وارين بافيت في العام 2002، وقع يوم الأحد الموافق للرابع عشر من شهر سبتمبر من العام 2008، وتحديداً عندما أعلن بنك «ليمان براذرز» عن إفلاسه، ليسجل بذلك أكبر حالة إفلاس تجاري في تاريخ الولايات المتحدة. وأدى فشل بنك «ليمان براذرز» إلى إشعال فتيل سلسلة من تفاعلات المشتقات التي أثرت على الأطراف المقابلة لبنك «ليمان»، وكانت السبب المباشر لأزمة الائتمان. وبما أنه من المستحيل بالنسبة إلى الجهات الفاعلة في السوق معرفة المخاطر أو مقدار الديون التي تتحملها الأطراف المقابلة، فإن المشتقات خارج البورصة تقدم تصنيفات لا معنى لها. لقد توقف تدفق نشاط الائتمان والإقراض على الصعيد العالمي، ما أدى إلى إصابة النشاط الاقتصادي بالانكماش.
ولولا قيام الحكومات الغربية باتخاذ الإجراءات الطارئة، لكان من المرجح جداً أن تصيب تلك المشكلة المؤسسات المالية الكبرى كافة في العالم الغربي بالإفلاس في وقت واحد. وهدد الانهيار الوشيك للنظام المالي العالمي بتدمير الثروة وإلحاق الأضرار الفادحة في النشاط الاقتصادي، وإلى درجة تفوق بكثير التبعات التي تمخضت عن الكساد الكبير. وذكرت بعض التقارير أن أعضاء الكونغرس الأمريكي ناقشوا الكارثة المالية والاقتصادية واحتمالات فرض الأحكام العرفية مع هنري بولسون، الأمين العام السابق لوزارة الخزانة، وبن بيرنانكي، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، وفي شهادته أمام الكونغرس في وقت لاحق، أوضح السيد بولسون أنه عندما يفشل النظام المالي، فإن النظام الاقتصادي بأكمله في هذا البلد يمكن أن يكون عرضة للفشل، وبالتالي فإن الشبكة المترابطة لعقود المشتقات خارج البورصة «يمكن أن تنشر الفوضى، أو قد يثير الناس في ذلك البلد الكثير من التساؤلات حتى إزاء النظام الأساسي».
وتعرض السيد بولسون لانتقادات لاذعة على نطاق واسع إزاء هذا الغلو المزعوم، مع أن هذا اللوم في جزء منه على الأقل كان في غير محله. وعلى سبيل المثال، فقد تبين أنه رغم الجهود غير المسبوقة لدعم النظام المالي، فقد أدت أزمة الائتمان إلى إصابة حركة الملاحة الدولية بالشلل تقريباً بين عشية وضحاها، وانعكس انهيار خطابات الاعتماد المستخدمة من قبل المستوردين لدفع أثمان بضائعهم إلى جهات التوريد على مؤشر «بلطيق دراي» الذي يتتبع أسعار الشحن الدولية لمختلف البضائع الجافة على أساس عالمي.
ومع أنه من غير الممكن معرفة ما كان قد يحدث على وجه الدقة لو لم تقم الحكومات والبنوك المركزية بإنقاذ النظام المالي العالمي، يمكن الجزم بصورة مؤكدة أن النشاط الاقتصادي الحقيقي كان لا بد أن يقع فريسة للانكماش على نحو أسرع وبشدة أكثر، وسيكون تصرف الأسواق المالية بالطريقة نفسها، حيث ستتراجع بشكل حاد، وستحدث تدميراً أشد في الثروات. ورغم تجنب فشل النظام المالي العالمي بشق الأنفس، عمد بعض المعلقين إلى التقليل من خطورة المشكلة وعواقبها المحتملة في كثير من الأحيان.
أما الرأي القائل، إنه كان ينبغي التخلي عن المؤسسات المفلسة لتواجه مصير الفشل، ورغم انسجامه التام مع مبادئ الرأسمالية وأسس السوق الحرة، فإنه يطرح في الأغلب من دون تقدير حقيقة أنه كان يمكن أن تتعرض أغلبية البنوك الكبرى في العالم الغربي إلى الزوال التام، وعندها كان يتعين على الحكومات التعامل مع المودعين والمستثمرين. وعلاوة على ذلك، يبين التاريخ أن حالات الارتباك الاقتصادية الخطيرة يكون لها عواقب بشرية مأساوية، مثل تفشي المجاعة على نطاق واسع.
وفي التحليل النهائي، يتجلى أن الحكومات الغربية وقعت فعلياً رهائن في قبضة البنوك الكبيرة، ونتيجة عمليات إنقاذ البنوك التي كانت مثيرة للجدل بمرارة (والتي لا تزال جارية حتى الآن)، تكبد الاتحاد الأوروبي ما يقرب من 5.3 تريليون دولار، في حين دفعت الولايات المتحدة ما يقرب من 23.7 تريليون دولار (مع أن المبلغ الرسمي المعلن وصل إلى 4 تريليونات دولار).
وبالعودة إلى الاجتماع الذي نظمته مجلة «ذي إيكونوميست» في قاعة «هابرداشرز» الجديدة والمثيرة للإعجاب التابعة لمؤسسة مدينة لندن، قال جورج سوروس «إن النجاح في إنقاذ نظامنا المالي في المرة السابقة أدى إلى ظهور فقاعة فائقة، إلا أننا اتبعنا الأساليب في العام 2008. وما لم نتعلم من هذه الدروس، وما لم ندرك حقيقة أن الأسواق غير مستقرة بطبيعتها، وأن الاستقرار يجب أن يكون هدف السياسة العامة، فإننا سنواجه حتماً فقاعة الديون السيادية الأكبر حجماً. لقد قمنا بإضافة المزيد من الضغط على الديون عن طريق استبدال الائتمان الخاص بالائتمان السيادي، وزيادة الدين القومي إلى حد كبير».
التنظيم والإيديولوجيا
وبالنسبة إلى دافعي الضرائب في الدول الغربية، فقد جاءت الديون متراكمة على مدى أجيال، مع ما تكبدوه من خسائر في ثرواتهم من خلال محافظ الأوراق المالية وقيم الأصول، إلى جانب الخسائر الأخرى الناجمة عن الركود الاقتصادي الحاد، مثل خسارة العائدات التجارية أو الإعسار، والبطالة الشخصية أو الإفلاس، وما إلى ذلك. ولم تتجل بوضوح العواقب السياسية التي ستقود إليها الأزمة، ولا يمكن لمواطني الدول المتضررة التمتع بالمستوى المطلوب من الراحة، خصوصاً عندما يعلمون أن الوضع يمكن أن يتحول إلى الأسوأ، لاسيما أن السبب الجذري لهذه المشكلة كان ولا يزال عبارة عن فقاعة اقتصادية ضخمة تتغذى بالمضاربة المتهورة التي تم الكشف عنها لاحقاً، وكانت بعيدة كل البعد عن النشاط الاقتصادي الحقيقي.
وعلاوة على ذلك، تبقى الديون الضخمة التي تثقل كاهل الحكومات الغربية لا تمثل سوى نسبة مئوية هامشية من المطلوبات المحتملة الناجمة عن المشتقات خارج البورصة التي لا تزال قابعة في دهاليز النظام المالي العالمي. ونقل عن وارين بافيت في الآونة الأخيرة قوله إنه «عندما تتم كتابة التاريخ المالي لهذا العقد، فإنه سيتكلم بالتأكيد عن فقاعة الإنترنت في أواخر تسعينات القرن الماضي، وفقاعة الإسكان في وقت مبكر من بداية القرن الحادي والعشرين، لكنه سيدرج فقاعة سندات الخزانة الأمريكية في أواخر العام 2008 على أنها مشكلة استثنائية تقريباً». ولا تزال ديون الخزانة الأمريكية تواصل نموها، في وقت تتواصل فيه التدابير الطارئة خارج إطار الفترات الزمنية المتوقعة لها. وقال بن بيرنانكي، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في خطاب ألقاه مؤخراً إنه «من غير المعقول أن يكون مصير الاقتصاد العالمي مرتبطاً بشكل وثيق مع حظوظ عدد صغير نسبياً من الشركات المالية العملاقة. وإذا كان من المتعذر بالنسبة إلينا أن نحقق أي شيء في أعقاب الأزمة، يجب علينا الحرص تماماً على تفادي الوقوع في هذا الوضع مرة أخرى».
فشل الإنقاذ
لكن للأسف، تبدو هذه النقطة التي يثيرها بيرنانكي موضع نقاش، فبعد سنتين ونصف السنة من ظهور الأزمة، لم يتحقق أي شيء تقريباً في أعقاب الأزمة المالية العالمية لتنظيم المشتقات خارج البورصة أو للسيطرة على المخاطر الشديدة التي قد تنجم عنها. ومع أن هناك بضع ولايات أمريكية والكثير من الدول الأوروبية تواجه خطر الإفلاس الفعلي في الوقت الراهن، يبدو أن الحكومات الغربية استنفذت قدراتها لإنقاذ المؤسسات المالية، وبالتالي فإن احتمال خطر تعرض النظام برمته للفشل في الوقت الجاري يبدو أعلى مما كان عليه قبل بداية الأزمة في العام 2008، في حين أنه لا توجد هناك أي مساندة للنظام المالي العالمي، بخلاف تسييل الديون أو عمليات النقدنة التي من شأنها أن تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، أو حتى الوقوع في التضخم المفرط. وربما سيذكر التاريخ أن الأزمة المالية العالمية التي بدأت في العام 2008 كانت بمثابة خيار مصيري بين البنوك الفاشلة والأمم الفاشلة.
وفي إطار الجهود التي قادها النائب بارني فرانك في مجلس النواب، والسيناتور كريس دود في مجلس الشيوخ، فقد تم تجميع طيف واسع من إصلاحات النظام المالي من أجل الخروج بمشروع قانون واحد جاء في أكثر من 1400 صفحة. ويشتمل هذا المشروع الضخم على الكثير من الأحكام البديهية، مثل إعادة فرض الحظر على الشركات المصرفية القابضة لمنعها من امتلاك أنواع أخرى من الشركات المالية (علماً بأن هذا القانون فرض في العام 1934 كجزء من قانون غلاس ستيغال، وتم وقف العمل به في 12 نوفمبر من العام 1999، بعد أن حل مكانه قانون غرام - ليتش بليلي)، ويبدي النائب رون بول تأييداً واسعاً لإخضاع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لمراجعة التدقيق (انطلاقاً من قانونين سابقين يحمل الأول الرمز «إتش آر 1207» والثاني «إس 604»)، ومع ذلك، يقف مشروع القانون قاصراً أمام إعادة العمل بالتغييرات على قانون تبادل السلع التي وردت في قانون تحديث السلع المستقبلية للعام 2000. وبدعم من غرينسبان وروبين وسومرز، يعد قانون تحديث السلع الآجلة للعام 2000 هو المسؤول عن فسح المجال أمام إخراج مارد المشتقات خارج البورصة من القمقم، ما أسفر عن الانتشار العالمي لأسلحة الدمار الشامل المالية.
ويشتمل مشروع القانون الوارد في 1410 صفحة (يحمل الرمز إس 3217)، والمطروح للنقاش تحت اسم «قانون استعادة الاستقرار المالي الأمريكي للعام 2010»، على ما يقرب من 150 صفحة تتعلق بالمشتقات المالية فقط، لكن في الوقت ذاته تجري حالياً دراسة الكثير من المقترحات المضادة لأحكام محددة واردة فيه. وليس من المستغرب أن تجابه إجراءات السيطرة على المشتقات خارج البورصة ومنع مؤسسات الودائع من الانخراط في تجارة المشتقات المالية خارج البورصة بمعارضة شديدة من جانب البنوك التي تضغط بنشاط ضد مشروع قانون الإصلاح المقترح.
ولا تزال الآيدلوجية المالية الفاشلة للثلاثي «غرينسبان وروبن وسومرز»، وما قادت إليه من أزمة مالية بدأت في العام 2008، عميقة الجذور في واشنطن العاصمة. ومع أن الخطاب السياسي في الانتخابات للعام الجاري يركز على حماية المستهلك لا تحظى الإصلاحات الحيوية لاستقرار النظام الأساسي بإقبال الحشود التي تجمع على أهميتها. وعلى سبيل المثال، تم في وقت مبكر إسقاط الاقتراحات التي كانت تطالب بفرض حظر على مقايضات الديون. ويقول بول فولكر، المستشار الاقتصادي الحالي للرئيس باراك أوباما، ورئيس المجلس الاستشاري للانتعاش الاقتصادي التابع للرئيس الأمريكي، والرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، إن «توفير المشتقات من قبل البنوك التجارية لعملائها في السياق المعتاد للعلاقة المصرفية لا ينبغي أن يفرض عليه الحظر». وعلى نحو مماثل، فقد كان الفشل مصير خطط إنشاء صندوق للإنقاذ بهدف حماية دافعي الضرائب من الوقوع رهينة مرة أخرى في أيدي البنوك الأكبر من أن تفشل وكذلك الحال بالنسبة إلى الخطط الداعية لتفكيك «تلك البنوك التي توصف بأنها أكبر من أن تفشل، فيجري حالياً إضعاف الجهود التي بذلت لإخضاع مجلس الاحتياطي الفيدرالي للتدقيق، لتقتصر على عملية واحدة.
إن تبادل المشتقات في أسواق البورصة النظامية قد يكون خطوة كبيرة إلى الأمام، لكنها ربما لا تكون كافية، فالفقاعات الاقتصادية لا يمكن رؤيتها من قبل الأطراف القابعين فيها، ولا يشكل الكونغرس في الولايات المتحدة استثناء عن هذه القاعدة، وينبغي علينا الاعتراف أن فقاعة المشتقات التي يصل حجمها إلى 604.6 تريليون دولار، أي ما يزيد على عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، تمثل قضية عالمية يجب أن تكون مثيرة للقلق. وإذا ظلت المشتقات خارج البورصة على حالها، في ظل انعدام وجود أي قيود على تبادلات البنوك التجارية في قطاع المشتقات، لا يمكننا التوصل إلى أي تخفيض فعلي أو فوري للمخاطر المنهجية القائمة.
وهكذا، فإن المخاطر التي أدت إلى الأزمة المالية في العام 2008 ربما تظل قابعة في النظام المالي العالمي لسنوات أخرى مقبلة. وفي الواقع، تواجه بنوك عدة المزيد من مخاطر أدوات مقايضة عجز الديون في الوقت الراهن أكثر مما كان عليه الوضع في العام 2008، وأخيراً فإن تمرير صيغة من قانون الإصلاح المالي موافق عليها من قبل البنوك لن يحول دون وقوع أزمة مالية عالمية أخرى، مع أن إنجازاً من هذا النوع قد يتم تصويره على أنه انتصار سياسي، أو يمكن الاستفادة منه لتهدئة الأسواق المالية بصورة مؤقتة.
</H1>