المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دراسة اكتوارية لـ (الضمان): عدم كفاية الإيرادات التأمينية لتغطية النفقات يبدأ عام 2016


JAMELJABER
July 17th, 2009, 03:48 PM
دراسة اكتوارية لـ (الضمان): عدم كفاية الإيرادات التأمينية لتغطية النفقات يبدأ عام 2016



زاد الاردن - أعلنت المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي نتائج الدراسة الاكتوارية السادسة التي اعدتها منظمة العمل الدولية للضمان الاجتماعي والتي من أبرز نتائجها ان العجز المتوقع في عام (2036) سيصل إلى نحو (6ر8%) من الناتج المحلي الإجمالي وسيستمر في التصاعد في حال لم تحدث أية اصلاحات على القانون.
وتتوقع الدراسة عدم كفاية الإيرادات التأمينية للمؤسسة لتغطية نفقاتها التأمينية ابتداءً من عام 2016 لتبدأ المؤسسة بعد ذلك باستخدام عوائدها الاستثمارية لتغطية عجزها المالي وصولاً إلى عام (2026) والذي ستعاني عنده المؤسسة من عجز مالي كلي ناجم عن عدم كفاية إيراداتها بشقيها الاستثماري والتأميني لتغطية التزاماتها السنوية.
وتؤكد الدراسة أن الارتفاع الذي شهدته معدلات العوائد الاستثمارية على موجودات الضمان خلال الأعوام القليلة الماضية لن تكون كافية لاحتواء التكاليف المالية المترتبة على الاستمرار في الإقبال المتزايد على التقاعد المبكر.
وتقدر الدراسة ارتفاع عدد المتقاعدين والمنتفعين من (156) ألف في عام (2007) إلى (8ر1) مليون في (2057)، أي بمتوسط معدل نمو سنوي (1ر5%) وفي المقابل تقدر الدراسة ارتفاع عدد المشتركين ولكن بمعدلات تقل عن معدلات نمو المتقاعدين، حيث سيزداد عددهم من (764) ألف مشترك في عام (2007) إلى (1ر2) مليون مشترك في عام (2057)، أي بمتوسط معدل نمو سنوي (2%).
في ضوء الارتفاع المتوقع في إعداد المشتركين تحت مظلة الضمان الاجتماعي على مدار العقود القادمة وتزامناً مع الارتفاع في متوسطات أجورهم، تقدر الدراسة الاكتوارية ارتفاع الإيرادات من الاشتراكات من حوالي (423) مليون دينار في عام (2007) إلى (1ر7) مليار دينار في (2057)، بمتوسط معدل نمو سنوي (5ر5%).
وأشارت الدراسة الى ارتفاع إجمالي نفقات المؤسسة من (288) مليون دينار في عام (2007) إلى حوالي (3ر2) مليار دينار في عام (2027) وإلى (3ر21) مليار في (2057)، أي بمتوسط نمو سنوي (9%).
وأكد الضمان الاجتماعي ان عرض نتائج هذه الدراسة يهدف الى دعم الحوار الاجتماعي والوصول إلى إجماع نحو الإجراءات الإصلاحية التي انتهجتها المؤسسة لتجنب تعرضها لأزمة مالية على مدار 10 - 30 عاماً القادمة وبالتالي ضمان ديمومة نظام الضمان الاجتماعي ومقدرته على الإيفاء بحقوق الأجيال القادمة.
و تأتي الدراسة الاكتوارية السادسة تنفيذاً لأحكام المادة (15/أ) من قانون الضمان الاجتماعي رقم (19) لعام (2001) والتي بموجبها تلزم المؤسسة بفحص مركزها المالي مرة على الأقل كل خمس سنوات بمعرفة خبير اكتواري أو أكثر.
وينطوي الهدف الرئيس وراء إلزام المؤسسة بإجراء هذه الدراسات بشكل دوري إلى وضع إدارة المؤسسة وواضعي السياسات والشركاء الاجتماعيين بصورة عن الواقع المالي المستقبلي للمؤسسة حتى تتمكن من معالجة أي خلل قد يحول دون تمكنها من تأدية الالتزامات المترتبة عليها في المستقبل.
وجاءت الدراسة الاكتوارية السادسة التي قامت بتنفيذها منظمة العمل الدولية متماشيةً مع الممارسات الاكتوارية الدولية في مجال الضمان الاجتماعي لدى الجمعية الدولية للإكتواريين International Actuarial نتائج الدراسة الاكتوارية: أولاً: الوضع الديموغرافي للمؤسسة: وبناء على واقع التغييرات الديموغرافية في المملكة، تقدر الدراسة الاكتوارية زيادة عبء الإعالة في المملكة في المستقبل، ففي (2007) كان يقابل كل شخص في سن التقاعد (10) أشخاص في سن العمل، وفي عام (2057) لن يكون سوى (3) أشخاص في سن العمل مقابل كل شخص في سن التقاعد.
وترتيباً على ذلك وبعد الأخذ بعين الاعتبار مختلف الظروف الاقتصادية في المملكة لا سيما مستويات التشغيل، تقدر الدراسة ارتفاع عدد المتقاعدين والمنتفعين بصورة ملحوظة من (156) ألف في عام (2007) إلى (8ر1) مليون في (2057)، أي بمتوسط معدل نمو سنوي (1ر5%) وفي المقابل تقدر الدراسة ارتفاع عدد المشتركين ولكن بمعدلات تقل عن معدلات نمو المتقاعدين، حيث سيزداد عددهم من (764) ألف مشترك في عام (2007) إلى (1ر2) مليون مشترك في عام (2057)، أي بمتوسط معدل نمو سنوي (2%).
وبالتالي ستنخفض نسبة المشتركين إلى المتقاعدين من (5) أضعاف في عام 2007 إلى (3) أضعاف في عام (2027) وصولاً إلى حوالي مشترك واحد مقابل كل متقاعد في عام (2057).
ثانياً: النفقات الكلية للمؤسسة:
في ضوء المؤشرات الديموغرافية المذكورة أعلاه وتحديداً زيادة أعداد المتقاعدين والمنتفعين من قانون الضمان الاجتماعي، فمن المتوقع أن ترتفع إجمالي نفقات المؤسسة من (288) مليون دينار في عام (2007) إلى حوالي (3ر2) مليار دينار في عام (2027) وإلى (3ر21) مليار في (2057)، أي بمتوسط نمو سنوي (9%). وفيما يلي بعض النسب والتفصيلات المتعلقة بهذا البند:
- سترتفع نفقات تقاعد الشيخوخة من (216) مليون دينار في عام (2007) إلى نحو (8ر17) مليار دينار في عام (2057)، بمتوسط معدل نمو سنوي (2ر9%).
- سترتفع نفقات الاعتلال من (29) مليون دينار في عام (2007) إلى (736) مليون في (2057)، بمتوسط معدل نمو سنوي (7ر6%).
-سترتفع نفقات الورثة من (12) مليون دينار في عام (2007) إلى (4ر2) مليار دينار في (2057)، بمتوسط معدل نمو سنوي (2ر11%). - ثالثاً: الإيرادات التأمينية:
في ضوء الارتفاع المتوقع في أعداد المشتركين تحت مظلة الضمان الاجتماعي على مدار العقود القادمة وتزامناً مع الارتفاع في متوسطات أجورهم، تقدر الدراسة الاكتوارية ارتفاع الإيرادات من الاشتراكات من حوالي (423) مليون دينار في عام (2007) إلى (1ر7) مليار دينار في (2057)، بمتوسط معدل نمو سنوي (5ر5%).
رابعاً: الفائض والعجز المالي:
ترتيباً على ما ذكر، تتوقع الدراسة الاكتوارية عدم كفاية الإيرادات التأمينية للمؤسسة لتغطية نفقاتها التأمينية ابتداءً من عام 2016 لتبدأ المؤسسة بعد ذلك باستخدام عوائدها الاستثمارية لتغطية عجزها المالي وصولاً إلى عام (2026) والذي ستعاني عنده المؤسسة من عجز مالي كلي ناجم عن عدم كفاية إيراداتها بشقيها الاستثماري والتأميني لتغطية التزاماتها السنوية. وحينئذٍ، ستضطر المؤسسة إلى البدء بتسييل موجوداتها حتى تتمكن من تغطية هذا العجز، ومع الاستمرار المتوقع في نمو نفقات المؤسسة بمعدلات تفوق معدلات نمو إيراداتها سيستمر العجز المالي باستنزاف موجودات المؤسسة حتى تلاشيها تماماً بحلول عام (2036)، وبعد هذا العام ستكون المؤسسة عاجزة عن تأدية التزاماتها لمجموعة كبيرة من المستحقين.
وتشير الدراسة إلى أن العجز المتوقع في عام (2036) سيصل إلى نحو (6ر8%) من الناتج المحلي الإجمالي وسيستمر في التصاعد بعد ذلك.
خامساً: تشير الدراسة إلى أنه إذا ما أرادت المؤسسة زيادة نسب الاشتراكات لتجنب الأزمة المالية التي يتوقع أن تتعرض لها في المدى المنظور وضمان استدامتها على مدار الـ(100) سنة القادمة، فيتوجب عليها رفع نسب الاشتراكات وبشكل فوري من (1ر16%) حالياً إلى حوالي (2ر36%) من إجمالي أجور المؤمن عليهم. وفي حال الإبقاء على نسب الاشتراك الحالية على ما هي عليه والبدء بزيادتها عند تلاشي احتياطات المؤسسة تماماً، تقدر الدراسة وصول نسب الاشتراكات المطلوبة لتمكين المؤسسة من تغطية التزاماتها إلى حوالي (48%) بحلول عام 2057
سادساً: مقارنة نتائج الدراسة الاكتوارية الأخيرة مع نتائج الدراسة الاكتوارية الخامسة:
تشير الدراسة الاكتوارية الأخيرة إلى أن هنالك مجموعة من المتغيرات والمستجدات وراء تباين نتائجها مع النتائج التي توصلت إليها الدراسة الاكتوارية الخامسة. وكما يتضح من الجدول أدناه، تظهر الدراسة الأخيرة أن الوضع المالي المستقبلي للمؤسسة قد تراجع بشكل ملحوظ عما ظهر عليه في الدراسة الاكتوارية السابقة (الخامسة)، حيث تعزو الدراسة الحالية ذلك إلى زيادة الإقبال على التقاعد المبكر خلال الأعوام الماضية (2003 - 2007) والذي سينعكس بدوره على التقديرات المستقبلية لنمو أعداد المتقاعدين مبكراً وعبء الإنفاق عليهم.
وتؤكد الدراسة في هذا السياق على أن الارتفاع الذي شهدته معدلات العوائد الاستثمارية على موجودات الضمان خلال الأعوام القليلة الماضية لن تكون كافية لاحتواء التكاليف المالية المترتبة على الاستمرار في الإقبال المتزايد على التقاعد المبكر. كما تؤكد الدراسة على أن الآثار المالية الايجابية المترتبة على زيادة أعداد المشتركين خلال الأعوام الماضية عما كان مقدراً في الدراسة الاكتوارية الخامسة ما هي إلا انعكاسات قصيرة الأمد حيث أنها ستساهم في ارتفاع حجم الإنفاق على الرواتب التقاعدية في المدى المنظور وذلك عند استحقاق هؤلاء المشتركين لشروط التقاعد لا سيما التقاعد المبكر.

Majid
July 18th, 2009, 10:57 AM
معلومات في وقتها

متى أجريت الدراسة الاكتوارية بالضبط وممكن المصدر جميل مع خالص الشكر

JAMELJABER
July 18th, 2009, 11:01 AM
هدي الدراسة اجريت في عام 2008 واجريت لمؤسسة الضمان الاجتماعي
وانا قد شاهدت الدراسة الرابعة والخامسة كان قد صممها مؤسسة مهنا
اما الدراسة السادسة لم اطلع عليها غير من الصحيفة

Majid
July 18th, 2009, 12:36 PM
شكرا لك جميل ويبدو أن الدراسة اجريت بواسطة منظمة العمل الدولية حسب ما ذكر في المقال!

[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]

JAMELJABER
July 18th, 2009, 12:58 PM
على الرحب والسعة

سيدي عمر الادريسي
July 19th, 2009, 01:38 AM
السلام عليكم،
شكرا جزيلا أخي على هذه المعطيات الهامة وعلى نتائج الدراسة الاكتوارية التي وافيتنا بها.
إلا أنني أحب أن أضيف أنه يجب علينا استثمار هذه النتائح لتحليل وتقييم القضايا السياسية وعلى رأسها مسألة الديمقراطية وحقوق الانسان وهنا أدرج ملخصا لاطروحة الدكتوراه التي تقدمت بها مطلع هذا العام حول موضوع: "الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والانتقال الديمقراطي بالمغرب" للافادة وسأكون ممتنا بتلقي الملاحظات من الجميع.
الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والانتقال الديمقراطي بالمغرب
أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام
د.سيدي عمر الإدريسي
قلة هي الكتابات العربية التي تربط بين الحماية الاجتماعية والمسألة الديمقراطية، علما أن هذه الأخيرة لا يغيب عن معالجة قضاياها الشأن الاجتماعي بمختلف تمظهراته وتداعياته. في حين أن الغرب الديمقراطي لا يماري في حقيقة الترابط الوثيق بين الموضوعين سواء في خطابات السياسيين والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين أو في الكتابات الأكاديمية والنقاشات الفكرية.
فالديمقراطية وإشكالية التحرك نحوها ليست مسألة سياسية صرفة ولكنها ذات أبعاد ومضامين اقتصادية واجتماعية وثقافية، وهذا ما جعل بعض المفكرين أمثال ألان تورين Alain TOURAINE يتحدثون عما يسمونه الموجة الثالثة من الديمقراطية أي الديمقراطية الثقافية بعد الموجتين السابقتين: الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية، هذه الموجة الثانية التي تتقدم فيها القضايا والحقوق الاجتماعية الاقتصادية على المسائل السياسية، ويأتي الاهتمام بإعمال مقتضيات العهد الدولي لهذه الحقوق في مرتبة متقدمة على الحقوق المدنية والسياسية التي ربما تكون قد نالت نصيبها من الاهتمام سواء على المستوى النظري أو على مستوى الممارسات.
أما في البلدان العربية فإن النقاش لا يزال متأرجحا بين ما حققناه من مكاسب سياسية وقانونية وحقوقية على مسار التوجه الديمقراطي، الذي تدعي أغلب البلدان التمسك به، وبين تأثيرات واقع اقتصادي واجتماعي هش لا يخدم طموحات الشعوب ولا سياسات الحكومات أوبرامج القادة. إننا في دائرة مغلقة وشبكة من العلاقات والتناقضات التي تتحدى تطلعات المواطن العربي إلى الديمقراطية والعيش الكريم والذي لا يمكن أن يتحقق في غياب سياسات فعالة لحماية اجتماعية عادلة وذات نفس طويل.
إن الدول في هذه المنطقة تتعامل مع هذا الموضوع برؤى متباينة، لكنها تشترك جميعها تقريبا، في وضعه في مرتبة ثانوية في سياساتها وبرامجها الإصلاحية. لذا كان لا بد من تسليط الضوء على هذا الجانب المعتم الذي تتقاطع فيه دائرة السياسة مع دوائر الشأن الاقتصادي والاجتماعي بما تنطوي عليه من قضايا تأثيرات متبادلة.
وقد جاءت هذه الأطروحة ثمرة لسنوات عديدة من البحث في موضوع شائك وصعب ومتعدد الأبعاد والمحاور، لكنه الوقت ذاته يشكل ضرورة أساسية من الناحية العلمية والعملية، موضوع حيوي قد يلامس جوانب من حياة أي منا، وهو بلا شك أحد المحددات الرئيسية لحياتنا المستقبلية.
والموضوع الذي تم اختياره هو: "الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والانتقال الديمقراطي بالمغرب"، وقد يتبادر إلى الأذهان للوهلة الأولى أن هناك بونا شاسعا بين موضوع الضمان الاجتماعي والمسألة الديمقراطية، لكن بحثا معمقا في هذا الإطار سيبدد هذا الانطباع وسيعطي بلا شك رؤية مخالفة.
إن مسألة الحماية الاجتماعية أصبحت تطرح نفسها بإلحاح شديد على الديمقراطيات المعاصرة. فمع تطور حقوق الإنسان والإنجازات التي تحققت في هذا المجال، تضاعف الوعي لدى المواطنين، خاصة في الدول الغربية، بالحقوق الاجتماعية وبأهمية التأمين الصحي. وهكذا بدأت تترسخ في تلك المجتمعات ثقافة الحماية أو التأمين الاجتماعي كوسيلة فعالة لمجابهة المخاطر التي قد يتعرض لها الفرد في بدنه أو في أوضاعه الاجتماعية أو الاقتصادية.
هذه الأهمية التي أصبح يحظى بها الضمان الاجتماعي في العالم المعاصر كان لها صدى كبيرا في الأوساط الأكاديمية والإعلامية ولدى الساسة ورجال الاقتصاد، بحيث أصبح موضوع الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية يتبوأ مكان الصدارة على أجندات أصحاب القرار ولا يمكن إغفاله في البرامج الانتخابية، بل يشكل أحيانا حجر الزاوية في الصعود ببعض المرشحين إلى مقاليد السلطة في بعض الدول.
فالدول الغربية التي تُنعت بالديمقراطية تتمتع على العموم بأنظمة قانونية متطورة في مجال التشغيل والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، والتي تسمح للعمال بالاستفادة من أجور ومزايا وتعويضات ومعاشات مهمة تفوق بكثير ما يتمتع به نظراؤهم في الدول النامية.
والجدير بالذكر أن صلابة وتطور وقوة أنظمة الحماية الاجتماعية ترتبط بشكل وثيق بمسألة العدالة الاجتماعية، وبمدى فعالية تطبيق حقوق الإنسان وقواعد الديمقراطية؛ حيث لا يجد المواطن المحروم منها أو غير المتمتع بها بالشكل المطلوب، نفسه متحمسا للمشاركة في العملية السياسية إما لفقدانه الثقة في الفاعلين السياسيين وفي جدوى النظام السياسي وفعاليته، وإما لانشغاله بتدبير قوته اليومي الذي يكابد في الحصول عليه ويضعه على قمة أولوياته. ففي هذه الحالة لا يرى المواطن في العملية السياسية والعمليات الانتخابية والنشاط الحزبي أو النقابي أو حتى العمل الجمعوي شيئا جديرا بالاهتمام طالما أنه لا يساعده بشكل آني في تأمين وتحسين ظروف عيشه. ونتذكر هنا عزوف المواطنين عن الإدلاء بأصواتهم في عدد من الانتخابات. وهو الأمر الذي تم ربطه في الغالب بعوامل الفقر وضعف الحماية الاجتماعية وتفشي البطالة وانسداد الأفق أمام المواطن في استشراف مستقبل أفضل.
وإذا كانت بلدان العالم الثالث، ومن بينها المغرب، تحاول تحقيق نمو اقتصادي واجتماعي وسياسي على شاكلة الدول الغربية، في إطار عمليات التحول والإصلاح أو ما يعرف بتجارب الانتقال الديمقراطي، فإن هذه الدول تجد أنفسها مكبلة بمجموعة من القيود والعوائق التي تحول دون تسريع وتيرة النمو وعرقلة الوصول إلى التقدم المنشود.
ويأتي في طليعة تلك العوائق تردي الأوضاع الاجتماعية والصحية خاصة بالنسبة للطبقة العاملة التي تعتبر العمود الفقري للمجتمع الساعي إلى التنمية.
إن الضمان الاجتماعي، في هذا السياق، يظل موضوعا حيويا وغنيا وله انعكاس مباشر على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، كما أنه قد يشكل لبنة أساسية في رسم التوافقات ويعرض على الفاعلين في العملية السياسية فرصا حقيقية للتفاوض بما يَضمن لهم جميعا مكانة أفضل داخل المجتمع ويزيد حظوظهم في التنافس السياسي السلمي، كما قد يسهل إبرام المواثيق السياسية وإنجاحها.
وفي المقابل، إذا سلمنا بالقول بأن لا ضريبة إلا بتمثيل، فإن دفع اشتراكات الضمان الاجتماعي يستوجب أيضا إعطاء المشتركين من عمال وأرباب عمل آليات فعالة لانتخاب ممثليهم الذين يُفترض فيهم السهر على مراقبة حسن تدبير تلك الأموال والدفاع عن حقوق المعنيين بها، وتحسين تلك الحقوق، وكذا الرفع من مستوى الخدمات وحسن التسيير والاستقبال.
وفي المغرب تتعدد المؤسسات التي تحاول النهوض بالوضع الاجتماعي والصحي للسكان النشطين، وتشكل في مجملها نسقا وطنيا للحماية الاجتماعية.
ويستأثر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بمكانة هامة وحساسة داخل هذا النسق اعتبارا لطبيعة نشاطه وطريقة تدبيره.
والملاحظ أنه مع مجيء حكومة "التناوب التوافقي" التي تمخضت عما يعرف بعملية التحول السياسي التي عرفها المغرب في العقد الأخير من القرن الماضي، بدأت تلاَمَس بعض القضايا التي كانت فيما قبل من قبيل الطابوهات التي يُحظر الخوض فيها. كما بدأت تلوح في الأفق بوادر إصلاح إداري واقتصادي ومالي لتعزيز الإصلاح السياسي وتدعيمه.
محاولة الإصلاح هذه وضعت مجموعة من المؤسسات في الواجهة لتتصدر الأحداث وتستأثر باهتمام الرأي العام. وهذا ما تكرس من خلال قضايا القرض الفلاحي، والقرض السياحي والعقاري، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتي وصلت في بعض الأحيان درجة تكوين لجان برلمانية للتحقيق فيما أثير حولها من تُهم أو شبهات تتعلق بالفساد وسوء التدبير والتسيب وغيرها.
والفكرة الأساسية التي تم التركيز عليها هنا هي أن التحولات السياسية التي عرفها المغرب منذ التسعينات إلى اليوم قد طالت آثارها بلا شك العديد من المؤسسات التي أُخذ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كنموذج منها، ومن ثم الدور الذي يمكن أن يلعبه هذا الأخير انطلاقا من مكانته وطبيعة نشاطه للإسهام في عملية التحول السياسي الذي يمكن أن يفضي إلى تحول ديمقراطي سلس وبناء. وهذه العلاقة الجدلية هي التي ستشكل محور التوجه العام للموضوع.
هذا الموضوع أيضا كان محاولة للربط بين قضية الديمقراطية كإشكالية وبعض القضايا الأخرى ذات الطابع الاجتماعي ولكن أيضا ذات المحددات الاقتصادية والسياسية.
وهكذا فإن مجمل الأفكار والمعطيات التي تمت إثارتها تشكل مجتمعة مادة أولية توحي بالعديد من الأسئلة ذات الطبيعة الإشكالية:
 إلى أي مدى تأثر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بعملية التحول السياسي الذي عرفته البلاد قبيل وبعد مجيء "حكومة التناوب"؟.
 كيف كانت استجابة هذه المؤسسة وتعاطيها مع هذه المرحلة؟.
 ما هي القضايا العالقة داخل هذه المؤسسة والعقبات التي تواجه تطورها؟.
 إلى أي مدى تسهم هذه المؤسسة في إسناد ما يعرف بعملية الانتقال الديمقراطي والتنمية بشكل عام؟.
 ما هي آفاق الإصلاح الذي عرفته وتعرفه هذه المؤسسة بدءا من ترسانتها القانونية المنظمة لنشاطها مرورا بهيكلتها وتسييرها وصولا إلى منهجية تدبير الشأن اليومي؟.
وهنا نشير إلى أن هذه الإشكاليات يتقاطع فيها ما هو سياسي بما هو اقتصادي، واجتماعي، وإداري، وأخلاقي...
والحال أن هذا الموضوع يظل حاضرا ومتغيرا باستمرار ويعرف مستجدات وتطورات متسارعة، كما أنه موضوع متشعب، يتقاطع ويتداخل مع حقول معرفية متعددة بل تنصهر فيه مجموعة من القضايا الشائكة: (الصحة، السكان، الاقتصاد، الإدارة، الضرائب، الأجور، الفقر، البطالة، النسل،الأسرة، الإصلاح، المحاسبة والتدبير المالي، القانون، الأنظمة المعلوماتية، السياسة العامة...).
إن خصوبة القضايا التي يطرحها هذا الموضوع أو تتقاطع معه، يجعل من الصعوبة ضبط تطوره والسيطرة عليه، إلا أنها في الوقت نفسه تجعله أكثر تشويقا ودينامية؛ كونه يفتح الباب على إشكاليات متنوعة تلامس الواقع بمختلف أبعاده وتهم المستقبل أكثر مما هي شأن من شؤون الحاضر.
إن المبررات التي دفعت إلى الخروج بهذا الموضوع من دائرته التقنية المالية/الإدارية ومن المقاربة القانونية الصرفة، للانفتاح به على المحيط الاقتصادي، والسوسيو سياسي تحديدا، بمختلف تفاعلاته وخلفياته تتمثل في:- 1- توسع مجال الخوصصة وتطور القطاع الخاص الذي أدى إلى تزايد أعداد المنخرطين والعمال المسجلين لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وبالتالي تطور نشاط المؤسسة وتنامي دورها على الساحة.
- 2- الحراك الذي يعرفه هذا القطاع على المستوى التشريعي والإداري والعملي.
- 3- تشكيل لجنة تقصي الحقائق حول الصندوق والصدى الكبير الذي خلفته إبان عملها وبعد صدور تقريرها.
- 4- تزايد الاهتمام الدولي بقضايا الضمان الاجتماعي وارتباطها بالمسألة الديمقراطية.
- 5- الدور المستقبلي لهذا القطاع والمخاوف المتزايدة من التأثيرات السلبية للعجز المالي لمؤسساته.
- 6- تزايد أهمية الشأن الاجتماعي والحماية الاجتماعية وتداولها في خطاب السياسيين والفاعلين الاقتصاديين.
-  القسم الأول: عالج الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كورش من أوراش الإصلاح الديمقراطي من خلال تتبع نشأة وتطور نظام الضمان الاجتماعي بالمغرب عبرمؤسساته القانونية والإدارية ونظام الإعانات والخدمات في الفصل الأول، ثم الإصلاحات وتتعزز هذه المبررات بتزايد التحركات الشعبية في الآونة الأخيرة ضد غلاء الأسعار وضعف القدرة الشرائية في العديد من البلدان والذي يعكس بشكل أو بآخر ضعف الحماية الاجتماعية أو حتى غيابها بعض الأحيان، أضف إلى ذلك انعكاسات وتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية.
وبالطبع فإن التعاطي مع هذا الموضوع لم يخلُ من بعض الصعوبات التي تمثلت بالأساس في كثرة القضايا الشائكة والمتشابكة المتعلقة به، بالإضافة إلى تطوره المستمر ومستجداته المتلاحقة.
وعلى الصعيد البيبليوغرافي؛ فبالرغم من أن توفر رصيد كبير من المصادر والمراجع كان مهما ومفيدا، لكنه لم يكن في الغالب يتعاطي مع المقاربة التي تم اختيارها بشكل كاف. وقد كان للبحث المكثف والمتواصل على شبكة الإنترنيت دور هام في التغلب على بعض المصاعب المتعلقة بشح المراجع في بعض محاور هذه المادة؛ وقد تم التركيز في هذا الجانب على مواقع الهيئات الرسمية كمنظمة العمل الدولية والبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومواقع بعض الوزارات والمؤسسات العمومية وغيرها.
وعلى إيجابيات الفرصة التي يوفرها العمل داخل مؤسسة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من إمكانية الاطلاع عن قرب على العديد من القضايا والمشاكل والاحتكاك بتفاصيلها وخباياها وثغراتها، إلا أنه في الوقت ذاته يشكل تحديا في القدرة على التحرر من القيود الذاتية وممارسة نقد مُجرد، والتحلي بالموضوعية التي حاولنا الحفاظ عليها والتمسك بها كمكسب وكهدف على طول هذه الدراسة.
ولمعالجة الإشكاليات التي يطرحها هذا الموضوع والتغلب على بعض صعوباته كان لابد من الاستعانة بمناهج متعددة تقتضيها طبيعة البحث ومنهجيته تمت الإشارة إليها في مقدمة البحث.
وهكذا جاءت مقاربة هذا الموضوع من خلال قسمين أساسيين:التي عرفتها مؤسسة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في ظل مرحلة الانفتاح خاصة ما يتعلق بالإصلاح الإداري والقانوني وتدبير الموارد البشرية مع اهتمام خاص بدور لجنة تقصي الحقائق وخلفيات ونتائج عملها في الفصل الثاني من هذا القسم.
 القسم الثاني: انتقلنا فيه إلى دور هذه المؤسسة ومكانتها ومدى إسهامها فيما يعرف بعملية الانتقال الديمقراطي الذي نتناول فيه الأهمية التي أصبحت تتمتع بها مؤسسات الحماية الاجتماعية في ظل التطورات الاقتصادية على المستويين الداخلي والخارجي وما تطرحه من تحديات اجتماعية في الفصل الأول، ثم ارتباط ذلك بقضايا الديمقراطية وبالأبعاد الإقليمية والدولية لمختلف التطورات ومدى الاستفادة من سياسات الضمان الاجتماعي في دعم المشروع الديمقراطي خاصة عندما يتعلق بقضايا التنمية والسلم الاجتماعي في الفصل الثاني.
فيما أُجمل في الفصل التمهيدي الجانب المفاهيمي والمرجعيات الفكرية والنظرية والفلسفية والقانونية للضمان الاجتماعي مع مقاربة لمفهومي الديمقراطية والانتقال الديمقراطي وبعض المفاهيم المتعلقة بهما.
لقد استطاعت الإسهامات النظرية في مجال الحماية الاجتماعية أن تحقق تراكما فكريا كان له الفضل في تطوير هذا المجال كميا ونوعيا. وإذا كانت الديمقراطية قد عرفت عبر العصور مسيرة طويلة من الحضور والغياب، فقد انتهى بها المطاف إلى أن تصبح في القرن العشرين إحدى أهم الركائز والمميزات الأساسية للعالم المعاصر؛ على اعتبار أنها أرقى ما يمكن أن يصل إليه العقل البشري في مجال التنظيم السياسي، والضمان الاجتماعي هو الآخر كان واحدا من أهم الانجازات التي ميزت التاريخ البشري الحديث، لكنه في الوقت نفسه، شأنه شأن الديمقراطية، شكل موضوعا متعدد الإشكالات والقضايا التي تؤثر إما سلبا أو إيجابا على حياتنا اليومية وعلى مستقبلنا.
وهكذا فرض الضمان الاجتماعي نفسه في جميع أنحاء العالم واحتل مكانة مرموقة في المواثيق والصكوك الدولية، كما في التشريعات والقوانين الوطنية للدول، إلا أن تطبيق الضمان الاجتماعي حتى في أعرق البلدان التي اعتمدته لم ينجح في رفع الحيف الاجتماعي عن العديد من الفئات المحرومة.
وقد ظل الضمان الاجتماعي منذ نشأته ورش عمل اجتماعي مفتوح، ومشروعا اقتصاديا واجتماعيا وماليا ونفسانيا يحدد حياة المجتمع والأفراد والدول ومستواهم المعيشي. إن التصاق حياة الأفراد والمجتمعات بفكرة الضمان الاجتماعي يجعل منه نظاما أو مجموعة أنظمة تتعلق بالدرجة الأولى بالسياسة الاجتماعية قبل أن تكون أنظمة اجتماعية خالصة بالمعنى الضيق.
وهكذا يرى البعض أنه "يغلب على الضمان الاجتماعي، كمؤسسة اجتماعية فرضت نفسها في كل العالم الرأسمالي، الطابع السياسي، حتى يمكن القول إن نظام الضمان الاجتماعي هو من إفرازات النظام الديمقراطي البرلماني القائم على الانتخابات الدورية المتكررة" (علي مقلد: "الضمان الاجتماعي في لبنان").
وفي السياق نفسه يؤكد المدير العام لمنظمة العمل الدولية خوان صومافيا بأن "أنظمة الضمان الاجتماعي لا تساهم وحسب في تحقيق الأمن الإنساني، والكرامة، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، بل تؤمن أيضا أساسا للإدماج السياسي، والتمكين، ونمو الديمقراطية. فأنظمة الضمان المصممة بشكل جيد من شأنها أن تحسن الأداء الاقتصادي، وتساهم بالتالي في الميزة التفاضلية للبلدان في الأسواق العالمية.".
إن الوضع الاقتصادي المتقلب في عالم اليوم والظروف الاجتماعية الصعبة تجعل المواطن العادي في بحث دائم عن الاستقرار، حيث نرى الأفراد يسارعون إلى الاحتماء بمؤسسات الضمان الاجتماعي لتأمين مستقبلهم وحماية أنفسهم وأسرهم من المخاطر التي تتربص بهم، فهل ستكون هذه المؤسسات في مستوى يؤهلها للعب هذا الدور الحساس وإنجاز هذه المهمة الجسيمة؟.
وأمام تحدي الإجابة على هذا السؤال الصعب فإن العلاقة الجدلية بين ضرورة تحقق الديمقراطية للرفع من مستوى أداء مؤسسات الحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي وخدماتها، وبين الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الأخيرة، إذا تم تفعيلها، في عملية "الانتقال الديمقراطي" في المغرب، ونظيره من البلدان، قائمة، إلا أن هناك عدة عوامل لا تخدم التأثير المتبادل بين الموضوعين بشكل إيجابي.
ومن الملاحظات الأساسية التي يمكن أن الخروج بها في هذا المضمار هي أن التطور الذي عرفه الضمان الاجتماعي، والحماية الاجتماعية عموما، على مدار أربعة عقود ونيف، كان بطيئا ومحدودا سواء على المستوى القانوني أو على مستوى السياسات العمومية في هذا المجال أو على المستوى التدبيري.
ويبدو أن تعدد أنظمة الحماية الاجتماعية والمؤسسات المعنية بهذا القطاع يقف عائقا أمام أي إصلاح قانوني؛ فتعدد أنظمة التقاعد مثلا لا يساعد كثيرا في توحيد المعايير ومناهج الإصلاح بسبب اختلاف تلك الأنظمة وتباين توجهات المؤسسات المسيرة لها ومنهجية تدبيرها. أضف إلى ذلك الفراغ الكبير الناتج عن غياب التغطية الاجتماعية المتعلقة بحوادث الشغل والأمراض المهنية عن خدمات هذه المؤسسة والذي يعد حالة نادرة بين أنظمة الضمان الاجتماعي المقارنة. فيما يبدو أن التأمين عن البطالة أيضا يشكل حلقة مفقودة في نظام التعويضات الذي يعمل به الضمان الاجتماعي المغربي.
لكن القصور الذي تعرفه مؤسسات الحماية الاجتماعية عموما والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي خصوصا يتعلق أساسا بضعف التقيد بالمعايير الدولية في هذا المجال وبعدم توفير الحماية الاجتماعية كحق من حقوق الإنسان على نطاق واسع، بحيث تبقى فئات كثيرة من المواطنين محرومة من التغطية الصحية والمنافع الاجتماعية، خاصة الفئات التي تنشط في القطاع غير المنظم أو الأشخاص العاطلين عن العمل.
وعلى العموم يمكن أن نمسك ببعض خيوط التحسن الذي تم تسجيله في هذا المجال في العشرية الأخيرة والأثر الإيجابي الذي خلفه عمل اللجنة البرلمانية لتقصي الحقائق حول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التي شكلها مجلس المستشارين سنة 2002.
وإذ يُسجل بارتياح أيضا صدور مدونة التغطية الصحية الأساسية وعودة "الروح" إلى المجلس الإداري للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بعد سنوات من الجمود، إلا أن مشوار الإصلاحات المتعلقة بهذا القطاع الحيوي يبقى طويلا وشاقا خاصة في ظل نتائج الدراسات الاكتوارية الحديثة التي تتنبأ بنفس قصير للنظام الحالي في الوفاء بالتزاماته اتجاه المُؤَمّنين خاصة فيما يتعلق بالتعويضات الطويلة الأمد.
إن الضغط الديمغرافي وطول أمد حياة الأفراد أصبحت وستبقى من بين أهم العوامل التي تُنذر بزعزعة الاستقرار المالي لأنظمة الحماية والضمان الاجتماعي في البلدان الغربية وتوازنها، وهي نفسها التي تهدد أنظمة باقي البلدان، وهو الأمر الذي عجل بتحرك السياسات الإصلاحية، واستقطب اهتمام العديد من البحوث والدراسات وتداعى له المُؤْتمرون وأطراف الحوار في العديد من الندوات والجلسات التي تحاول تشخيص الأزمة ومعالجتها أو استكشاف توجهات جديدة للحماية الاجتماعية.
إن مختلف المعطيات والعوامل والمؤشرات التي تم التحدث عنها على طول هذا الموضوع تؤكد بجلاء لا يرقى إليه شك أن محنة الضمان الاجتماعي في المغرب كما في الكثير من البلدان ملتصقة بالأرقام والبيانات وبالحصيلة المالية والحسابية، وقد رأينا كيف كان الفساد والتبذير والمحسوبية وغيرها من أسباب للضياع المالي الكبير الذي عرفته المؤسسة في الماضي وشكلت مظاهر ضعف وقصور في الحاضر، كما تابعنا عبر بعض الدراسات الاستشرافية كيف ستكون التوازنات المالية عملاق التحديات في المستقبل.
هذه المحنة أيضا تغذيها عوامل أخرى اجتماعية وديمغرافية وإكراهات اقتصادية عديدة تترجم لغة الأرقام إلى معادلات وإشكالات اجتماعية وسياسية، خاصة عندما تستحيل النتائج المحدودة لنشاط "الضمان الاجتماعي" إلى مؤشرات سلبية في مجال التنمية ومعدلات متدنية في مجال المشاركة السياسية.
ولعل كبرى المفارقات التي لاحظناها هي أن لا يتمتع الضمان الاجتماعي بقسط وافر من اهتمام السياسيين في المغرب في حمأة خطاباتهم عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، في الوقت الذي يهيمن فيه هذا الموضوع على غيره من المواضيع في الحملات الانتخابية واستراتيجيات الساسة في الديمقراطيات الغربية. فالضمان الاجتماعي يبقى رغم كل شيء أحد المفاتيح الأساسية للتنمية ووصفة ممتازة لتثبيت السلم الاجتماعي أو استعادته.
لقد عرف الضمان الاجتماعي عدة إصلاحات وهو اليوم بحاجة إلى مزيد من الإصلاح، وهو في هذه النقطة إنما يتقاطع أيضا مع مسألة الديمقراطية التي يرى البعض أن المغرب قد قطع شوطا مهما على مسارها لكن البناء الديمقراطي لا يزال بحاجة إلى دعائم أساسية عبر إعطاء الفرصة لمزيد من الإصلاحات السياسية وتخليق الحياة العامة وإقرار المزيد من الحريات والحقوق، عبر انتخاب سياسات وبرامج جريئة وطموحة وتقديم مشروع مجتمعي متكامل يضع انشغالات الفئات المحرومة وهمومها في صدارة الاهتمام .
لقد حاول هذا الموضوع ملاحقة التحولات المتسارعة، ليس على المستوى المغربي فحسب ولكن أيضا على المستوى الدولي، لإدراك المستجدات وما يؤثر منها على القضايا المطروحة للمعالجة، لكن لا بد من التنويه إلى أن العامل الزمني يستوجب الوقوف عند نقطة معينة قد تظهر بعدها معطيات أخرى جديدة ومهمة.
ورغم ذلك فقد كان الاهتمام منصبا على إعطاء صورة شاملة لهذا الموضوع وتسليط الضوء على جوانبه المختلفة كسبيل للإيضاح والتبسيط. خاصة وأن قضايا الديمقراطية والضمان الاجتماعي تصبح أكثر تعقيدا عندما ندخل في تفاصيلها.
وفي الأخير يمكن القول بأن مستقبل الديمقراطية رهين بمدى متانة أنظمة الحماية الاجتماعية وفعاليتها، الذي لا يمكن أن يصمد إلا بتكثيف الجهود للحد من البطالة ومواجهة المشاكل الاجتماعية التي قد تعصف بالمسار الديمقراطي وبشرعية الأنظمة التي لا تتعاطى بما فيه الكفاية مع متطلبات التنمية والإصلاح والأمن الاجتماعي وترسيخ الحريات والحقوق، ودون إعارة الاهتمام الكافي لمحاذير العولمة.
فإذا كانت العولمة وتسارع موجات الدمقرطة عبر العالم، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، قد ألقت بظلالها على المشهد السياسي المغربي، فإن التطور الذي عرفه المغرب أيضا على المستويات الاقتصادية والاجتماعية خاصة في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات وظهور الهيئات الحقوقية والإنسانية والصحافة المستقلة والفضائيات، قد لعبت هي الأخرى دورا فاعلا في بلورة هذا الواقع الجديد بالرغم مما سجل عليه من ملاحظات وانتقادات.
ولأن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لا يشتغل في الفراغ، بل في بيئة حافلة بالمتغيرات والتفاعلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإنه لم يكن فقط متأثرا بما تفرزه تلك البيئة، بل أيضا له دور يخفى على الكثيرين في عملية التشكيل وإعادة التشكيل التي تشهدها الساحة المغربية في مختلف أبعادها، خاصة مع تنامي دوره وتزايد أهميته بفعل المتغيرات الاقتصادية وما تنطوي عليه من ظواهر جديدة كعملية الخوصصة والانفتاح على السوق العالمية.
وهنا يبقى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أمام تحد كبير عليه أن يرفع رهانه وأن تضع الدولة في متناوله كل الوسائل والآليات والأدوات اللازمة لصموده وسن التشريعات ذات البعد الإستراتيجي لهذه الغاية، خاصة وأن دوره يزداد ترسخا في دعم المسلسل الديمقراطي طالما أن لنشاطه انعكاس واضح على السياسة التنموية وحتى على القضايا المتعلقة بالاستقرار والسلم الاجتماعي.
وإن كان "الانتقال الديمقراطي" يتشكل على آلية التفاوض في إطار ميثاق سياسي كما هو الشأن بالنسبة للحالة المغربية، فإن ذلك يسمح بفتح أوراش للإصلاح القانوني والسياسي والإداري والاقتصادي التي من شأنها تدعيم عملية الانتقال، مع أن هذه الفرضية تبقى مطروحة بإلحاح خاصة عندما يتعلق الأمر برسم الخريطة القانونية التي تشكل الأرضية الأساسية للتسويات السياسية بين الفاعلين والذي يعكس بلا شك موازين القوى في صراع المصالح بين الفاعلين في مسلسل الانتقال.
ولأن الضمان الاجتماعي يشكل أرضية خصبة لتجلي هذا الصراع بشكل واضح ومؤثر بالنظر إلى طبيعة المتدخلين، فهناك الباطرونا ممثلة في نقابات أرباب العمل ومهنيي قطاع الصحة، والدولة التي ترى في نفسها راعية لهذا الحقل من منطلق الهيمنة والضبط التي تنسحب على كل المجالات، ثم الطبقة الشغيلة، التي تعتبر الحلقة الأضعف في هذا النسق من العلاقات المتشعبة والمركبة.
ويَبرُز الصراع في وضع قوانين الضمان الاجتماعي من خلال تعارض مصالح كل من العمال وأرباب العمل، وأحيانا تنحاز الدولة إلى طرف معين لضبط التوازنات ومعالجة أي اختلال محتمل قد يؤدي إلى تأثيرات سلبية على المجال الاقتصادي أو الاجتماعي أو حتى السياسي.
إن ما يسميه الدكتور بسام الطيبي بالمستدعيات الاقتصادية والاجتماعية للديمقراطية (البناء الاقتصادي الاجتماعي للديمقراطي: "أزمة الديمقراطية في الوطن العربي" ندوة)، والتي يرى من خلالها أن بناء العلاقات الاجتماعية تحكمه طبيعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، لا بد أن يقوم على مبدإ المشاركة لكي يدفع إلى الأمام بتعزيز الديمقراطية، وهذا يرجع إلى التركيز على أن الديمقراطية ليست فكرة فحسب ولكنها هيكل مؤسسي له بنياته الاقتصادية والاجتماعية، والذي ينبني بالأساس على القوانين التي يجب أن تُصاغ بالشكل الذي يضمن للأفراد ليس فقط حرياتهم وحقوقهم السياسية، ولكن أيضا حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية وما يطمحون إليه من رفاه ورقي. وهكذا إذن سنكون أمام حلقة دائرية يؤثر فيها الاقتصادي والاجتماعي في السياسي والعكس صحيح.
فما هو دور القوانين المتعلقة بالضمان الاجتماعي في التأثير سلبا أو إيجابا على الواقع الاقتصادي والاجتماعي وبالتالي على الوضع السياسي والمسألة الديمقراطية؟ وهل القوانين المغربية في هذا المجال قادرة على إثبات فعاليتها في المساهمة في بناء دولة المؤسسات وتحقيق العدالة الاجتماعية، أم أنها لا زالت تفتقر إلى العمق الذي يؤهلها لأن تكون فاعلا في آليات تجذير الديمقراطية من الناحية السياسية؟ وهل تطور هذه القوانين يسير بنفس الوتيرة التي يعرفها التطور على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي أيضا؟.
تبقى هذه الأسئلة مطروحة للنقاش ودعوة مفتوحة للتداول أكثر في هذا الموضوع ليس على الساحة المغربية فقط ولكن أيضا على صعيد البلدان العربية الإسلامية عموما.مع كامل التقدير

Majid
July 19th, 2009, 08:57 AM
تحية عطرة لاستأذنا الفاضل
من خلال اطلاعي على تقرير البنك الدولي عن أنظمة التقاعد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والصادر في عام 2005م، فقد أشاد التقرير بجهود المغرب في مجال إصلاح أنظمة التقاعد واعتبرها من الدول المتقدمة في هذا المجال على مستوى المنطقة، وأرجع التقرير ذلك إلى النقاشات الجادة للتحديات التي تواجه أنظمة الضمان الاجتماعي في الساحة المغربية والشفافية في التعامل مع كافة الأطروحات
وحسب ما جاء في تقرير البنك الدولي فإن أهم تحدي يواجه المغرب هو توسيع رقعة تغطية الضمان الاجتماعين فحسب إحصائيات البنك فإن نسبة التغطية تبلغ حوالي 20% في عام 2005م من إجمالي العمالة، وهو نسبة قليلة وتحتاج إلى جهد حقيقي
يمكن الرجوع للتقرير من خلال الرابط أدناه
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]
------------------------------
الأمان الاجتماعي الذي تحققه أنظمة الضمان الاجتماعي مهمة جدا في الاستقرار السياسي والاقتصادي وبالتالي دفع عجلة التنمية في البلدان، إلا أن ومدى فعالية هذه الأنظمة في تحقيق أهدافها ومدى قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية ما زال مصدر تساؤل، المطلع على تجارب دول العالم المختلفة في مجال الضمان الاجتماعي يلاحظ وجود مناهج متعددة كلها تصب في محاولة الحصول على أنظمة متوازنة تحقق العدالة الاجتماعية وتملك القدرة على الاستمرار، وما نحتاج إليه في دولنا العربية هو أن لا نكتفي بدور المشاهد والمتلقي بل أن نبحث عن حلول مبدعة نابعة من ثقافتنا ومستمدة من ديننا الحنيف، نحن أمة جبلت على التكافل والتعاضد وهي المقومات الأساسية التي تقوم عليها أنظمة الضمان الإجتماعي.
------------------------------
وبالنظر إلى الرابط ما بين الضمان الاجتماعي وتأثيره على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فإن هيكلية أنظمة الضمان هي صورة مصغرة ومبسطة لأنظمة الإدارة في الدول، وبالتأكيد أن الدور الكبير الذي يتعاظم بشكل تدريجي للمؤسسات الضمان الاجتماعي سيكون له تأثيره ، والتوجه الموجود لإصلاح هذه الأنظمة من حيث التشريعات والقوانين التي تقوم عليها والشفافية في تقييم أدائها وإشراك مؤسسات المجتمع في هذه العملية، سيفرض واقعا سيمتد أثره على باقي القطاعات.

الموضوع فتح لنا مدارك جديدة في نظرتنا لأنظمة الضمان الاجتماعي وقدرتها على التأثير على التطور السياسي المساهمة في بناء دولة المؤسسات وتحقيق العدالة الاجتماعية.

شاكرين لك مشاركتك الطيبة معنا

JAMELJABER
July 19th, 2009, 11:35 AM
ومشكورين جميعا على هادي الردود الرائعة والمواضيع المميزة

سيدي عمر الادريسي
July 19th, 2009, 02:50 PM
الآستاذ الجليل، لك الشكر الجزيل،

من خلال الرد الذي تفضلت به فإنه يتبين أن لديك إلماما جيدا بالموضوع يسمح بنقاش أعمق وتطوير أفكار في هذه القضية،
والذي نريد إثارة الإنتباه إليه هو أن لا يتم، في زحمة الأرقام والإحصائيات والتوقعات، إغفال دور الضمان الاجتماعي الحيوي في القضايا السياسية، فهو إما أن يكون بمثابة المسهل لأية إصلاحات، وإما أن يسهم في إبطاء أي تحرك سياسي نحو الديمقراطية. فالمتتبع لقضايا الضمان الاجتماعي لا يجد عناء كبيرا في اكتشاف العلاقة الجدلية المعقدة بين الأبعاد السياسية والاجتماعية في هذا الموضوع، إلا أنه لا بد من التأكيد على أنها تقوم على سؤال جوهري حول المسألة الديمقراطية وما تنطوي عليه من قيم حقوق الإنسان وأسس العدالة الاجتماعية، والتي لا زالت لحد الآن تثير إشكاليات متنوعة ترتبط أحيانا بالتنمية وبالسلم الاجتماعي، وقد نعود لمناقشة هذا الأمر في وقت لاحق إن شاء الله.
أما بخصوص الرجوع بالموضوع إلى أصول ديننا الحنيف والخلفيات الثقافية لمجتمعاتنا العربية الإسلامية فأود أن أدرج هنا رأيي في الموضوع والمتضن في أطروحة الدكتوراه:

عرف الضمان الاجتماعي تطورا طويلا فكرا وممارسة، وارتبط هذا التطور بما عرفه مسار الإنسانية من تحولات على مستوى الفكر وأساليب العيش وطرق التنظيم الاجتماعي. ولما كانت الأسرة هي الوحدة الأساسية في المجتمع فقد ظلت على مر العصور خلية للتكافل والتعاون الاجتماعي، لكن هذه المؤسسة قد تواجه بعض التحديات وتعاني من بعض الأخطار التي لا تستطيع تجاوزها دون عون من الآخرين، وهنالك يأتي دور المجتمع ليتكفل بالأسر والأفراد الذين لا يجدون سبيلا لتدبير شؤونهم المعيشية والصحية بشكل عادي، وهكذا نجد الدين والقيم والأعراف الاجتماعية ورجال الفكر والسياسة يتولون هذا الأمر فيضعون القواعد الكفيلة بجعل المجتمع قادرا على التكفل بأفراده.

الضمان الاجتماعي في الإسلام : رؤية أوسع للمفهوم:
باشر الإسلام منذ ظهوره في شبه الجزيرة العربية معالجة المشكلة الاجتماعية بمختلف تجلياتها، فشجع تحرير العبيد وأقر مبدأ المساواة وأكد على محو الأمية، ووضع قواعد العلاقة الزوجية وتنظيم الأسرة ودخل في أدق تفاصيلها، وذلك في إطار إعادة بناء المجتمع على أسس وقواعد جديدة.
ولأن الفقر وأعباء الحياة كانت تثقل كاهل الأفراد وتشكل هاجسا في أغلب المجتمعات فقد جاء الإسلام واضحا في هذا المجال ومنحازا بشكل لا لُبس فيه إلى فئة الضعفاء والمحرومين واليتامى والأرامل؛ أي إلى كل من يحتاج إلى الرعاية والعون لعجز أو فاقة أو ضرر.
وقد كان الإسلام يدرك جيدا أن بناء صرح اجتماعي عظيم من حجم الدولة الإسلامية المترامية الأطراف لا يمكن أن يستقيم دون استثمار جهود أفراده وجماعاته في ظل التعاون والتكاتف والتقارب لذلك قال تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" (سورة المائدة الآية 2).
ولأن الوضعية التي كانت عليها المجتمعات في شبه الجزيرة العربية، وبعد ذلك في فارس ومصر وبلاد الشام وإفريقيا وغيرها، كانت تعرف ظروفا اجتماعية صعبة فإن الإسلام لم يتعامل مع تلك الظروف وخصوصا مشكلة الفقر تعاملا هامشيا، بل انخرط في معترك الصراع الاجتماعي مسلحا بالتعاليم الروحية والضوابط الشرعية الدقيقة لتضييق الفوارق الطبقية. فسن أولا أصالة إشباع حاجات الأفراد الأساسية من الطعام واللباس والسكن، كما تناول ما أقره الارتكاز العقلاني فيما يتعلق بالرعاية والخدمات الصحية والأساسية الأخرى كالنقل ونحوه، ثم أقر ثانيا حقوق الفقراء في أموال الأغنياء: "والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم" )المعارج، آية 24 و25(، ففرض الزكاة على الثروة الحيوانية والزراعية والمعدنية والنقدية ونحو ذلك والآيات القرآنية في هذا الباب كثيرة ومنها ما ورد في محكم التنزيل: "خُذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" )التوبة: الآية 104( .
ولأهمية الزكاة الكبيرة فقد أردفها مرارا بذكر الصلاة التي هي أعلى الأعلام وعماد الدين، وذلك في مواضع كثيرة من القرآن الكريم "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" )البقرة 42( وفي الحديث الشريف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: » بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ...« )البخاري ومسلم عن ابن عمر(. بل أن الإسلام شدد في مسألة الامتناع عن دفع الزكاة أو التهاون في ذلك من خلال الكتاب والسنة، قال تعالى: "ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير" )آل عمران الآية: 180(، وفي الحديث المرتبط بهذه الآية حول "الثعبان" الشجاع الأقرع الذي يطوق البخيل مانع الزكاة ، وأيضا الحديث الذي أورده أبو ذر عندما خاطبه المصطفى عليه الصلاة والسلام قائلا: "هم الأخسرون ورب الكعبة" ويعني الأكثرون أموالا والذين لا يؤدون زكاتها . وهذا التشديد إنما يدل على أن الإسلام يأخذ أمر الزكاة على محمل الجد ويُفرد له أهمية خاصة، حيث يستشعر مشاكل المحرومين والفقراء ومعاناتهم، كما يعي ميل النفس البشرية إلى البخل والتعلق بالمال في اغلب الأحيان، لذلك ربط مسألة الإنفاق والصدقة والزكاة بالعبادات الأساسية وصاغ خطابا دينيا يعتمد الترهيب تارة والترغيب في هذه الفضائل تارة أخرى، ويمتدح المنفقين والمتصدقين ومؤدي الزكاة ويبشرهم بحسن الثواب وخير الجزاء، في حين يتوعد الذين لا يؤدون حقوق الزكاة التي فرضها الله بالعذاب وسوء المصير، بل إن بعض الخلفاء الراشدين حارب الذين منعوها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم .
كما كان الإسلام حريصا على تحديد الأشخاص الذين تجب لهم الزكاة والصدقة بدقة ووضوح: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم" )التوبة، الآية 60(، حيث يلاحظ التركيز على الفئات المحرومة والمستضعفة التي تحتاج إلى العون.
بل إن الإسلام مضى إلى أبعد من ذلك فقعَّد أصول إخراج الزكاة وآدابها مراعيا في ذلك الحالة النفسية للآخذ )المستحق(، وحريصا على أن يكون أخذه إياها )أي الصدقة أو الزكاة ( في ظروف طبيعية بعيدا عن الذل أو النيل من كرامة المستفيد ، لذلك شجع صدقة السر وعظم شأنهـا وحرَّم المنَّ والأذى:"إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم" )البقرة، الآية: 270(، "يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى..." )البقرة، الآية: 263( .
وقد حث الرسول الكريم في أكثر من مناسبة على البذل والإنفاق وإغاثة الملهوف ومساعدة الجيران والفقراء والمساكين، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وقد ساهم في نجاح دعوته وانتشارها قربه من الفئات المحرومة وكرمه حيث وُصف بأنه أجود من الريح المرسلة وأنه ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر، كما كان يُدرك أن أي نهضة أو تقدم لا يمكن أن يستقيم دونما اهتمام بكل فئات المجتمع ودونما تكافل وتكاتف؛ لأن سياسة تدبير الشأن الاجتماعي هي أصعب السياسات. ولما أقر الإسلام زكاة النقدين والأنعام والثمار والمحاصيل وخمس الغنيمة والفائدة والربح والمعادن والكنوز، فإن ذلك يعكس حقيقة مهمة تتمثل في ترسيخ فكرة العدالة الاجتماعية؛ وهي أن جزءا من الثروة يجب أن يذهب لمساعدة الفقراء والمحتاجين وإقامة المشاريع ومؤسسات الخدمات الاجتماعية التي ترفع من مستوى الأفراد وتؤهلهم وتمنحهم فرصا حقيقية للعمل والإنتاج، كما تساعد الدولة على أداء دورها، خاصة إذا علمنا أن المجتمع الإسلامي ينفق أكثر من 25 % من ثرواته العينية والنقدية على الطبقات الفقيرة وهو ما يساهم إلى حد بعيد في تضييق الفوارق الطبقية؛ الشيء الذي يقود حتما، إن طُبِّق، إلى الرخاء الاجتماعي، هذا إذا ما قارناه مع الوضع في الولايات المتحدة التي تنفق فقط 2 % من وارداتها على الفقراء كإعانات غذائية وصحية . و يمضي البعض إلى القول بأن النظرية الإسلامية حول مساعدة الفقراء لا تتوقف عند مفهوم الضمان الاجتماعي فحسب بل تتعدى ذلك إلى النظرة الشمولية إلى التكافل العام بين أفراد المجتمع الإنساني، والتي تتأسس على مبدأين:
- الأول: مبدأ كفالة الأفراد بعضهم لبعض - و الثاني: مبدأ الأخوة الذي يعتبره الإسلام حجر الأساس في بناء العلاقات الاجتماعية المتينة والنظيفة، لذلك كان هذا المفهوم من أكثر وسائل التكافل فعالية في حل المعضلة الاجتماعية، هذا بالرغم من حسنات المذهب الفردي الذي تدعو إليه النظرية الرأسمالية في دفع الأفراد نحو العمل والإبداع .
إن هذه القيم التي عمل الإسلام على إقرارها وجدت طريقها إلى قناعات الأفراد وانتشرت بسرعة في أوساط المجتمع آنذاك، ولنتذكر إيواء الأنصار للمهاجرين ومساعدتهم بل ومقاسمتهم أموالهم في بعض الأحيان، فشاع بين المسلمين حب الخير والتنافس في إخراج الصدقات مما خلق حراكا اجتماعيا إيجابيا سريعا استفاد منه الإسلام في توطيد أركانه. وانتقل المجتمع شيئا فشيئا من الفردية المتوحشة إلى روح التضامن والإيمان بالعيش المشترك "...كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا" الحديث.
إن مسألة الحماية الاجتماعية تحولت بسرعة إلى مؤسسة من المؤسسات الحساسة، وسنرى كيف سيواصل الخلفاء الراشدون هذا المشوار الحيوي، حيث لم يقبل أبو بكر الصديق تراجع بعض الأغنياء عن أداء الزكاة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، في إطار وإلى جانب ما كان يعرف بحروب الردة. أما عمر بن الخطاب فقد عُرف بالفاروق لعدله ولأنه يفرق بين الحق والباطل، وامتد عدله هذا إلى العدل الاجتماعي، فقد شدد على حقوق الفقراء، بل كان رضي الله عنه يتفقد أحوال الرعية ويحمل الزاد بنفسه إلى الفقراء والمحتاجين ويتكفل بالأيتام والأرامل، وكان يقر لهم عطايا من بيت مال المسلمين، كما حارب الفساد المالي الذي يؤدي إلى ضياع حقوق الآخرين. كما أنه عمل على طلب النجدة من عامله على مصر في عام السغب أو ما يعرف بعام الرمادة، الذي عرف نفوق الأموال ونفاد المحاصيل، حتى يؤمن العيش للرعية .
أما فلسفة الإمام علي كرم الله وجهه الاجتماعية فتقوم على الإيمان بأن الحقوق المقررة في أموال الأغنياء لصالح الفقراء كفيلة بدفع الحاجة وسدها في المجتمع حيث يقول: "إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما متع به غني، أو بما منع منه غني والله تعالى سائلهم عن ذلك" .
لذلك فإن أداء الأغنياء لالتزاماتهم المفروضة عليهم شرعا كاف للتغلب على معضلة الفقر. وقد كتب الإمام علي كرم الله وجهه إلى عامله على البصرة عبد الله بن العباس يقول: "أما بعد، فانظر ما اجتمع عندك من غلات المسلمين و فيْئِهم فاقسمه فيمن قِبَلك حتى تغنيهم، وابعث إلينا بما فَضَل نقسمه فيمن قِبَلنا والسلام" . ويعتبر الإمام أنه يجب توفير الحاجات الضرورية لجميع الناس وتكليف أهل التواضع بالبحث عن المعوزين ورفع حوائجهم، وكذلك حوائج الأيتام والأرامل والعجزة وهي الطبقة التي كان يستوصي بها الإمام علي حيث كان يقول لمالك الأشتر الذي ولاه على مصر:" ... ثم الله الله في الطبقة السفلى الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنى، فإن في هذه الطبقة قانعا ومُعْتَرّا، واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قِسما من بيت مالك وقسما من غلات صوافي الإسلام في كل بلد فإن للأقصى منهم مثل للأدنى ... وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن، ممن لا حيلة له ولا يُنَصِّب للمسألة نفسه" .
فهكذا، فإن الإسلام في زمن الضيق والسنوات العجاف، كما في زمن البحبوحة والسعة بعدما توسعت دولته واستقرت أركانها وتنامت مواردها، أقام نظاما متطورا جدا "للضمان الاجتماعي" بدأت إرهاصاته الأولى في المدينة المنورة عند تخلي الأنصار للمهاجرين عن شطر من أموالهم، كما سبق أن أشرنا، هذا النظام المتطور يعززه تعدد المؤسسات والمصادر المتكفلة والمسخرة للحماية الاجتماعية، أو"الضمان الاجتماعي" إن صح التعبير، وهي الأسرة ثم صندوق الزكاة وولي الأمر أو الدولة ونظام الصدقات والكفارات والوقف والحبوس والمنيحة والوصية والهبة والعارية وغيرها من عقود التبرع .
أما اليوم فتنشط العديد من المؤسسات والجمعيات الإسلامية في مجال الإغاثة والتعليم والرعاية الصحية والتكفل بالأيتام والعجزة وذوي الاحتياجات الخاصة، وامتد نشاط بعضها إلى مستوى العالمية، بالرغم من التحدي الذي أصبح يواجه هذه المؤسسات خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما يسمى بالحرب على الإرهاب.
وبالرغم من هذه السعة الكبيرة في الموارد المشرَّعة للحماية الاجتماعية في الإسلام فإن عدم الامتثال لها من طرف المعنيين بالأمر يجعل آلاف المسلمين يعيشون تحت خط الفقر ويئنون تحت وطأة تكاليف العيش الباهظة في معظم البلاد الإسلامية. ويرى بعض الباحثين أنه يجب مراعاة بعض القواعد التي تدل عليها الشريعة عند إعمال مبادئها في هذا المجال [ الضمان الاجتماعي، بالرغم من سعة المجال في هذا الباب] وهي:
القاعدة الأولى: التدرج في الضمان الاجتماعي بحسب الموارد المتاحة
القاعدة الثانية: مراعاة العرف فيما لا يخالف الشريعة
القاعدة الرابعة: مراعاة السنن الاقتصادية والنفسية المؤثرة في نظام الضمان الاجتماعي
القاعدة الرابعة: مراعاة الكرامة الإنسانية للمستفيد من الضمان.
إلا أن الفكر الأرقى في هذا المجال هو إيجاد صيغ لتنظيم اعتماد الأفراد والأسر على أنفسهم بالموازاة مع التكافل المتبادل ، وهنا نجد الإسلام يشجع على العمل والإنتاج والكف عن المسألة دونما حاجة ملحة، والتأكيد على إعطاء الأولوية للأقارب لتمتين الروابط الاجتماعية، والانفاق على الأسرة والأبوين لإغنائهم عن المسألة. كما نهى عن احتراف التسول ادعاء للفاقة وحطا بالكرامة والأدلة في هذا الباب كثيرة ولا يتسع المجال لعرضها .
بعد هذه اللمحة التي أصّلنا فيها لتاريخ "الضمان الاجتماعي" سيما في جوانبه الدينية نشير إلى أن الأهمية القصوى أصبحت تعطى اليوم للقوانين الوضعية في هذا المجال خاصة بعد عصور الانحطاط في العالم العربي والإسلامي والقرون الوسطى في أوربا.

سعيد جدا بتلقي الآراء والملاحظات

JAMELJABER
July 19th, 2009, 03:17 PM
ما شاء الله موضوع رائعة ومتناسق جدا واحنا سعيدين جدا بافكارك الرائعة وطرحك لموضوع جديد لم نتناوله من قبل
وانا مستمتع جدا في قرائة ماتكتبه فانت متعمق في الموضوع بشكل كبير والنقاش معك ممتع

Saud
July 19th, 2009, 09:07 PM
الف شكر جميل على الموضوع الجميل والرائع

والف شكر للاخ سيدي عمر والاخ ماجد

بصراحة اول مرة استمتع بدرجة عالية في النقاش في الموضوع وهذا مفيد جدا لان النقاش دائما يفتح الافاق

الموضوع شيق والضمان الاجتماعي له ابعاد كثيرة كما ذكرتم ولكن الركيزة الاساسية للاستمرار هي القدرة المالية والتي تعتمد بشكل كبير على تركيبة النظام

ولاشك ان الزكاة في الاسلام هي من اهم مقومات الضمان الاجتماعي وبعض الانظمة الحديثة تطبق افكارا قريبة جدا من الزكاة من خلال محاولة صرف المنافع للمحتاجين لها

للاسف لدينا اقتصر مفهوم الضمان الاجتماعي على مسألة المعاش التقاعدي والذي يعتبر جزء من الضمان والمعاش التقاعدي يعتمد في الاساس على فترة عمل المشترك ولايغطي منافع اخرى تندرج تحت الضمان لذلك فانه يمثل جزء بسيط من مفهوم الضمان الاجتماعي

الموضوع تنوع في الردود فهناك من تحدث من نظرة اكتوارية تعتمد على التوازن لاستمرار الانظمة وهناك من تحدث من نظرة قانونية تسعى للعدالة بين جميع الاطراف

شكرا مجددا واتمنى ان تنتقل عدوى هذه النقاشات للمواضيع الاخرى لان هذا ممتع جدا

JAMELJABER
July 19th, 2009, 09:58 PM
:36_3_12::36_3_12::36_3_12:
:36_3_12::36_3_12:
:36_3_12:

Majid
July 20th, 2009, 12:52 PM
الضمان الاجتماعي Social Security
تبلور هذا المفهوم مع ظهور دولة الرفّاة Welfare State. وترجع أصول "دولة الرفاة" إلى التقرير الذي وضعه بيفريدج عام 1942، ومع أن بيفريدج نفسه كان يكره استخدام هذا المصطلح ويفضل عنه "دولة الخدمة الاجتماعية". وانطلاقاً من دولة الرفاة أو الرفاهية، صدرت مجموعة من القرارات التشريعية ومنها الضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية، التي تستهدف تقديم الرعاية للفقراء، ومعالجة المشكلات الناجمة عن تطبيق التكنولوجيا وأساليب الإنتاج، ونمو المناطق العشوائية الحضرية؛ هذه المشكلات التي لا يمكن معالجتها إلا بتوافر خدمات اجتماعية تقدمها الدولة. ويُستخدم مصطلح "الضمان الاجتماعي" للدلالة على مجموعة متنوعة من أنساق دعم الدخل، مثل: معاش التقاعد، والمرض، وتعويض الإصابة، والأمومة، وتعويض العجز، وتعويض البطالة، وتعويض الطفل، وتعويض نقص دخل الأسرة. وهناك من يذهب إلى أن الضمان الاجتماعي ليس –ببساطة- مصطلح شامل جامع للأنساق الخاصة بدعم الدخل فقط، وإنما هو محاولة أوسع مجالاً لحماية المجتمع بأسره، من المخاطر الاجتماعية كافة.
اتجه الضمان في البداية نحو منح الفقراء والمحتاجين معونات عينية (الغذاء والكساء)، ثم أخذ بعد ذلك صوراً متنوعة، منها ما يتصل بتقديم المساعدات المالية، التي تتضمنها قوانين الضمان الاجتماعي، لمن تُثبت دراسة حالتهم أنهم على خط الفقر أو دونه، والعجزة والأرامل والأيتام، وغيرهم ممن لا عائل لهم. وكذلك اتجه إلى إقامة بعض المشروعات الخدمية كتقديم العلاج الطبي وصرف الدواء، أو إعطاء منح دراسية للطلاب من الأسر الفقيرة، أو إيواء أطفال الأسر المفككة في أسر بديلة.
كذلك فإن الضمان أو الأمن الاجتماعي هو النظام الذي تضعه الدولة لحماية الأفراد وأسرهم، عند تعرضهم لمواجهة كوارث الحياة، بما يؤمّن لهم العيش والراحة في مستوى كريم ولائق.
وعلى أية حال، تُشير كلمة "ضمان" إلى معنيَين؛ الضمان بمعناه الضيق، وهو الضمان ضد الحرمان والفقر الشديد بتقديم حد أدنى من المساعدة؛ والمعنى الآخر هو الضمان بالمعنى المطلق، وهو ضمان مستوى معين من الحياة، أي ضمان حد أدنى من الدخل الخاص، الذي يرى الفرد أنه يستحقه. ووفقاً لذلك، فإن الضمان الاجتماعي تعبير شامل يُقصد به التكافل الاجتماعي بين الأفراد، بتقديم المساعدات والمزايا التي تُقدم للعاملين وأسرهم في حالات الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعية، وحالة إصابة العمل، وحالات المرض، والأمومة، والتعطل عن العمل.
أهداف الضمان الاجتماعي وفلسفته
في إطار مفهوم الضمان الاجتماعي بأنه نظام لحماية الأفراد وعائلاتهم، يهدف الضمان الاجتماعي إلى دعم الدخل المادي للفرد بما يتلاءم مع حاجاته وظروفه. فقد أصبح مفهوم الضمان الاجتماعي أكثر وضوحاً وتحديداً، وتبلورت فلسفته، في تحقيق الأهداف التالية:
1. تقديم الرعاية الاجتماعية الشاملة للمواطنين كافة، من خلال تحقيق مستوى ثابت من الدخل يفي بمطالب الحياة الأساسية وسد حاجة الفقراء، للعيش في مستوى إنساني لائق.
2. محاولة القضاء على الفاقة والعوز والحرمان، وتوفير الأمن الاقتصادي لجميع الأفراد في كافة الفئات الاجتماعية المحتاجة وليس لفئة معينة منهم.
3. تحقيق تكامل خدمات الضمان الاجتماعي بأهدافه الإنشائية والوقائية، وتوافقها مع احتياجات وعادات وثقافة الأفراد، الذين تخدمهم قوانين الضمان أو الأمن الاجتماعي.
4. ربط فلسفة الضمان الاجتماعي بسياسة التشغيل وإيجاد فرص عمل مناسبة، من خلال إنشاء مراكز التدريب والتأهيل الاجتماعي، مثل تدريب المرأة على القيام بأعمال التفصيل والخياطة والأشغال اليدوية والآلية، والاقتصاد المنزلي، والثقافة الصحية والحضارية.
5. تحقيق التكافل الاجتماعي بين فئات المجتمع كافة، وتقديم مساعدات الضمان الاجتماعي بوصفه حقاً مشروعاً يقره المجتمع لكل الفئات المحتاجة من أبناء المجتمع، وليس فقط منحة أو هبة من ذوي البر والإحسان.
وقد دعا الدين الإسلامي إلى الضمان الاجتماعي وأمرنا بوجوب تطبيقه، لنكون بذلك قد سبقنا أنظمة الضمان الاجتماعي الذي تطبقه حالياً أكثر من (150) دولة. وقد سجل الدين الإسلامي، عبر التاريخ، الطريق المبين في مضمار الضمان الاجتماعي، حيث عرّفه ووضع قواعده وأسسه وحدد الفئات المستفيدة منه وكيفية تمويله وإدارته حين لم يكن مصطلح الضمان معروفاً آنذاك. وكانت أداة الإسلام ووسيلته في القضاء على الفقر والحاجة هي الزكاة، وما فرضه الله سبحانه وتعالى في أموال الأغنياء وتخصيصه للفقراء؛ فسادت نظم الرعاية والتكافل. وقد وسّع الإسلام نطاق الفئات المستفيدة من نظام الزكاة؛ فكل محتاج يُعطى من بيت المال. ولم يكتف الإسلام بمقادير الزكاة لتمويل هذا النظام، وإنما أضاف إليها الصدقات، وأموال الغنائم. وجُعلت القاعدة أنه إذا لم تكفِ أموال الزكاة لسد حاجة الفقراء، فُرض في أموال الأغنياء ما يكفي لسد تلك الحاجة، بل لجأ المسلمون، أيضاً، إلى نظام الوقف الخيري والوقف الذري (وهو حبس الأصل وتسييل الثمرة). وهذا الوقف لم يقتصر الصرف من عائده على أبواب الخير، وإنما كان يتجه إلى بناء المستشفيات، والملاجئ، ودور العجزة والأيتام والمقعدين، وبناء المساجد. إن هذه التطورات تدل على اهتمام الفكر الإسلامي بدعم التكافل الاجتماعي وتنظيمه، بما يتلاءم مع الزمن.
المصدر : [Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]

-------------
ولي عودة

JAMELJABER
July 20th, 2009, 06:37 PM
مشكور اخي جداااااااا
الضمان الاجتماعي في الاردن في سطور
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]


:36_3_12::36_3_12::36_3_12:
:36_3_12::36_3_12:
:36_3_12:

سيدي عمر الادريسي
July 21st, 2009, 02:05 AM
السلام عليكم،
أشكر الأستاذ الكريم على التأصيل القيم الذي أورده لمفهوم الضمان الاجتماعي، والذي أريد أن أضيف إليه بعض الأفكار الأخرى التي أدرجها من خلال المقطع التالي:

الضمان الاجتماعي مفهوم واحد وتعابير متعددة:
أ- التحديد اللغوي لمفهوم الضمان الاجتماعي:
يتركب هذا المفهوم لغويا من كلمتي:"الضمان" و"الاجتماعي"، وهما معا من صميم لغة الضاد وليستا من فصيلة الكلمات الدخيلة. فكلمة "ضمان" مشتقة من الفعل الثلاثي "ضَِمن". وقد جاء تفسير هذه الكلمة واشتقاقاتها في "لسان العرب" بشكل مستفيض ومن ذلك: "ضَمِن الشيء وبه ضَمْنا وضَمانا: كَفِل به، وضَمّنه إياه: كفله، وفلان ضامن وضَمِنٌ أي كافل وكفيل" . ومن المعاني الأخرى التي وردت في المعجم نفسه: "ضمنت الشيء تضمينا فتضمنه أي غرمته. وضمن الشيء أودعه إياه". وفي الحديث: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، وأراد بالضمان هاهنا الحفظ والرعاية لا ضمان الغرامة لأنه يحفظ على القوم صلاتهم فهو كالمتكفل لهم بصحة صلاتهم...."
ويضيف أيضا "والضمانة والضمان: الزمانة والعاهة... والضمن والضمان والضمنة والضمانة: الداء في الجسد من بلاء أو كبر...."
والملاحظ أن كل هذه المعاني لها صلة وثيقة بمفهوم الضمان الاجتماعي، كما سنرى لاحقا، ولها صلة بما نود دراسته والوصول إليه. لذا فكلمة ضمان في اللغة العربية تؤدي دورا بالغ الدقة في استجلاء الاستعمالات المتعددة للمفهوم وتحيل إلى المعنى المقصود وتفي بالغرض.
أما في اللغات الأجنبية فيقابلها باللغة الإنجليزية كلمة Security وتعني: أمن، سلام، طمأنينة، حماية، كفالة، وضمان وتعني الكفيل أو الضامن .
وفي اللغة الفرنسية Sécurité وتعني: أمن وأمان ، وتعني أيضا الوضعية أو الحالة المؤكدة للغياب التام لأي خطر .
أما كلمة اجتماعي فتعني كل ما له صلة بالناس وعلاقتهم ببعضهم. أي كل ما له علاقة بالمجتمع وشؤونه ، كما تعني تفاعل الفرد والجماعة ونشاط الكائن البشري كعضو في المجتمع ومعني بمؤسساته .
ب- التحديد الاصطلاحي للمفهوم:
كغيره من المصطلحات المتداولة في العلوم الاجتماعية لا يوجد تعريف واحد متفق عليه لمفهوم الضمان الاجتماعي. حيث لم تتضمن النصوص والوثائق التاريخية والكتابات تعريفا جامعا مانعا له. إلا أن ذلك لا يمنع من عرض بعض هذه التعريفات مع التركيز على أكثرها أهمية.
فالرئيس الأمريكي الأسبق فرانلكين روزفلت ROOSVELT إبان تقديمه لمشروع قانون الضمان الاجتماعي اعتبر هذا الأخير بمثابة "توظيف كل الوسائل المناسبة لمواجهة الآفات التي تهدد استقرار الفرد في حياته وذلك على الأخص بسبب البطالة أو الشيخوخة" . ويمضي بعض الباحثين إلى القول بأن فكرة الضمان الاجتماعي "ترتبط في الغالب بالحماية أو بالتعويض عن أضرار أصابت شخصا معينا لأسباب توصف بأنها اجتماعية، والتعويض يقتضي بذل تضحية أو جهد على الأقل... والأسباب الاجتماعية التي تتطلب الحماية أو الأحداث الاجتماعية التي ينجم عنها الضرر الواجب ضمانه أو التعويض عنه هي: المرض الأمومة الشيخوخة..."
أما القواميس الموسوعية والمعاجم فإنها تعطي مرادفات متباينة للمصطلح باللغات الأجنبية، كما تقدم له تعريفات مختلفة لكنها متقاربة في معظم الأحيان. وقد نصادف أيضا تباينا في الكلمات المعبرة عن المفهوم والتي قد تختلف عنه بعض الشيء، وقد يكون لها مفهوم أوسع أوتكون بمثابة مصطلح مجاور أو قريب من معنى الضمان الاجتماعي؛ أي من قبيل "الحماية الاجتماعية"، "التأمين أو التأمينات الاجتماعية" أو "الأمن الاجتماعي"، "الكفالة الاجتماعية" و"الاحتياط الاجتماعي" و"التغطية الاجتماعية" ...
وكل هذه المفاهيم تصب في خانة واحدة هي مجابهة المخاطر التي قد يتعرض لها الفرد في حياته أو لها انعكاسات سلبية على صحته أو دخله أو تنجم عنها أعباء مالية واجتماعية إضافية أو غير متوقعة .
ويُعَرف الضمان الاجتماعي أيضا بكونه "نظاما يهدف إلى حماية العمال وعائلاتهم ضد المخاطر الاجتماعية: )المرض، العجز، الأمومة، الوفاة، حوادث الشغل، الشيخوخة، والتعويضات العائلية(، والذي تأتي مصادره من الاشتراكات التي يقدمها أرباب العمل والعمال وغيرها، وتتم إعادة توزيعها على أصحاب الحقوق على شكل تعويضات" .
وفي نفس المعنى يحدَّد الضمان الاجتماعيSécurité Sociale في تعريف آخر باعتباره "مجموعة من المؤسسات التي تقوم بجمع الاشتراكات الاجتماعية للمؤَمنين Les Assurés وتُوزِّع عليهم بالمقابل تعويضات اجتماعية" ، إلا أن هذا التعريف يبقى ناقصا بحيث لم يشر إلى المخاطر أو الأضرار التي تجمع من أجلها الاشتراكات وتصرف التعويضات، وهو ما يجسد صلب معنى التأمين أو الحماية.
وفي اللغة الإنجليزية نجد عدة مرادفات للكلمة: Social Security وSocial Insurance أو Social Protection وكلمة Welfare.
تعني الكلمة الأولى: "الكفالة الاجتماعية، أي توفير الدولة الوسائل الضرورية لتمكين المواطن من أن يحيا حياة كريمة، وفي جملة هذه الوسائل: الإسكان الملائم والتعليم والوقاية الصحية، وضمان الدخل الكافي" . إلا أن هذا التعريف واسع جدا وقلما يستخدم للدلالة على مفهوم الضمان الاجتماعي بمعناه الدقيق.
أما الثانية أي كلمة Social Insurance أو التأمين الاجتماعي فتعني "الضمان الاجتماعي بمعنى الضمان الذي تشارك فيه الدولة أو تكفل مشاركة أرباب العمل والعمال فيه، ابتغاء التأمين الاجتماعي ضد البطالة والشيخوخة أو العجز أو الوفاة..."
أما كلمة Welfare فتعني الخدمات الاجتماعية كما تستخدم للدلالة على الضمان الاجتماعي، وتعني علاوة على ذلك الخير والصالح العام والرفاهية والإنعاش أو الخدمة الاجتماعية المنظمة لتحسين ظروف فئة أو جماعة معينة، ومنها جاءت أيضا دولة الرفاهية Welfare State وهي الدولة التي تطبق نظاما اجتماعيا تكون بموجبه مسؤولة عن رفاهية مواطنيها واستقرارهم الاجتماعي.
وتسعى أيضا بعض الدراسات الأوربية إلى التمييز بين مفهومي "المساعدة" و"الضمان الاجتماعي" وتشير إلى أن نصوص القانون الاجتماعي في بعض الدول الأوربية (بلجيكا مثلا) لا تعطي أي تعريف لهذين المفهومين، وهو الإشكال الذي تحاول بعض القواعد المتعلقة بالمجموعة الأوربية في مجال القانون الاجتماعي حله أو تفاديه من خلال اجتهادات الفقه القانوني خاصة الدور الذي لعبته محكمة العدل الأوربية في هذا المجال وذلك من خلال التمييز بواسطة معيارين:
- وجود أو غياب المخاطر المحددة في الاتفاقية 102 لسنة 1952 الصادرة عن منظمة العمل الدولية OIT.
- أو من خلال السلطة التقديرية للقاضي .
إلا أنه بالرغم من ذلك تظل صعوبة التمييز بين المفهومين قائمة لأنهما يقومان على
مفهوم المخاطر ومواجهتها أو الأضرار ومعالجتها أو التخفيف من آثارها.
أما الباحث الإفريقي امباغا بواسا Mbaga BOUASSA من الغابون، فيتبنى التعريف الذي يحدد الضمان الاجتماعي باعتباره "الحماية التي يقدمها المجتمع لأفراده من خلال مجموعة من الإجراءات والتدابير العامة مراعاة للطوارئ والأخطار التي تسمى اجتماعية. هذه الأخطار تكون في حالات معينة: كالمرض والأمومة وحوادث الشغل والأمراض المهنية والبطالة والعجز، وفي حالات أخرى بسبب التوقف النهائي كالشيخوخة والوفاة، إلى جانب هذه المخاطر يمكن إضافة: توفير العلاج الصحي، ومنح التعويضات العائلية عن الأبناء"
ومن بين أهم التعريفات كذلك، ذلك التعريف الذي تقدمه منظمة العمل الدولية والذي يحدد الضمان الاجتماعي على أنه "الحماية التي يقدمها المجتمع للأفراد والأسر لتأمين النفاذ إلى العناية الصحية ولتأمين الأمان في الدخل، خصوصا في حالات التقدم في السن، أو البطالة، أو المرض، أو الإعاقة، أو الإصابة في العمل، أو الأمومة، أو فقدان المعيل" .
أما مفهوم الحماية الاجتماعية فإنه يبقى المفهوم الأوسع في منظومة هذه المفاهيم، وتنضوي تحت طائلته كل المعاني التي رأيناها سابقا، بل إن مجموع الأنظمة التي تسمى الضمان الاجتماعي، التأمين الاجتماعي، أنظمة التقاعد، المساعدة الاجتماعية والتغطية الصحية... تشكل في مجملها نسقا للحماية الاجتماعية.
ومعلوم أن هذه المفاهيم حديثة العهد؛ حيث بدأت تتبلور مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مع أن التحولات التي عرفتها أوربا خلال وغداة الثورة الفرنسية والثورة الصناعية سمحت بوجود نظريات تدعو الدولة إلى القيام بواجبها في التأمين والحماية لصالح المواطن . وسنحاول في فقرات لاحقة تقصي الجذور التاريخية للموضوع.

أما بخصوص بيفريدج ورؤيته للضمان الاجتماعي والحماية الاجتماعية بشكل عام وكذا بداية التشريع في الضمان الاجتماعي فيمكن إضافة ما يلي:
بداية ظهور التشريع الحديث:
1- التجربة الألمانية:
عرفت التشريعات في مادة الضمان الاجتماعي تطورا تدريجيا، ويبدو أن ألمانيا كانت السباقة إلى إقرار مثل هذه القوانين، وكان ذلك على عهد الزعيم بسمارك الذي أنشأ نظاما للتأمينات الاجتماعية في بلاد ما وراء الراين، حيث أقر في رسالة إلى البرلمان )الرايخستاغ( بواجب الدولة في التدخل للتحسين من أوضاع المواطنين وذلك في العام 1881 ، وهي المبادرة التي صدرت على إثرها قوانين بدأت بعمال الصناعة وشملت:
- قانون تأمين المرض 1883 القائم على أساس الاشتراكات بين رب العمل والعامل ، والذي يُمَكن هذا الأخير من الاستفادة من الخدمات الطبية المجانية ومن تعويض يصل إلى نصف الراتب طيلة 13 أسبوعا .
- ظهور قانون تأمين حوادث الشغل سنة 1884.
- وبعده قانون التأمين عن الشيخوخة والبطالة في العام 1889.
- وفي العام 1911 سيتم جمع هذه النصوص فيما اصطلح عليه "قانون التأمينات الاجتماعية" الذي سيغطي فيما بعد فئة الموظفين فيما يتعلق بالعطل والشيخوخة والوفاة والبطالة .
إن المبادئ المنطقية التي استند عليها نظام التأمينات الذي وضعه بسمارك جعله مرجعية نموذجية، فاقتبست منه كل البلدان الأوربية المجاورة وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا، هذه الأخيرة التي كان فيها قاعدة لقانون 1911 والمعروف بميثاق التأمين الوطني (National Insurance Acte).
2- التشريعات الفرنسية :
اضطر المشرع الفرنسي إلى الإسراع بإصدار قوانين للتأمينات الاجتماعية بعد عودة مقاطعتي الألزاس واللورين التين كانتا تتمتعان بنظام خاص للضمان الاجتماعي الألماني حيث كان يتعذر على المشرع إلغاء ذلك الامتياز.
وقد كان قانون 09 أبريل 1898 أول قانون اجتماعي في فرنسا، والذي تطور مع الوقت إلى أن صدر قانون 1930 الذي حاول تقويم النقائص التي عرفها سلفه قانون 1928 الذي يحمي أجراء قطاعات الصناعة والتجارة في حالة المرض أو الأمومة أو البطالة أو الشيخوخة أو الوفاة. وسيتعزز هذا القانون من خلال نظام التعويضات العائلية بعد صدور قانون 11 مارس 1932.
3- في القوانين البريطانية:
لقد أنجبت بريطانيا واحدا من أبرز العلماء المؤسسين للنظريات الحديثة للضمان الاجتماعي في القرن العشرين. وقد قدم هذا العالم تقريرا في العام 1941 ضمنه نظرية عامة للضمان الاجتماعي؛ يتعلق الأمر بـبفريدج الذي طرح لأول مرة فكرة توسيع الضمان الاجتماعي بحيث يغطي كل السكان، إذ لم يسبق أن عولج الموضوع بهذا النوع من العمق في التحليل، والذي يعيد النظر في فكرة استحالة القضاء على العوز الذي يرى بأنه يمكن القضاء عليه بالتخطيط. وقد أبرز المظاهر السلبية للقوانين السائدة آنذاك وعيوبها، كما بين، من خلال المشروع البديل الذي قدمه، الجوانب الإيجابية لأفكاره والتي تتأسس على شمولية أوسع من حيث الأشخاص المؤَمنين ومن حيث الأحداث المؤَمن عنها أو من حيث التعويضات. كما قدم بدائل فيما يتعلق بالتنظيم الإداري والمالي، هذا الأخير الذي استوحى الطابع الضريبي ، ينضاف إلى ذلك ربطه بين الضمان الاجتماعي وسياسة التشغيل والسياسة الصحية. وقد كان لتقرير بفريدج تأثير دولي ملحوظ حيث تبنته واعتمدت عليه مجموعة من التشريعات والبيانات الدولية.
وقد طبقت حكومة العمال في بريطانيا هذه الخطة بنسبة كبيرة من خلال عدة قوانين حول التعويضات العائلية والمرفق الصحي الوطني ونظام المساعدة ابتداء من سنة 1945 كما سيعرف بعد ذلك مجموعة من التطورات.- قانون الضمان الاجتماعي الأمريكي )1935(:
تحت تأثير نتائج الأزمة الاقتصادية الكبرى لسنة 1929 ومشكل البطالة المتفاقم جاء الرئيس الأمريكي روزفلت المنتخب حديثا 1932 في إطار الخطة الجديدة New Deal ليعيد النظر في مسألة تدخل الدولة في المجال الاقتصادي والاجتماعي بعد ما ظلت الإيديولوجية الليبرالية مسيطرة على الممارسات السوسيو-اقتصادية. حيث بدأت تنمو عقيدة "الدولة الرحمانية" و"الدولة الحارسة" و"دولة الرعاية"، وقد صدرت على هذا الأساس قوانين حول الإنعاش الاقتصادي والضمان الاجتماعي تباعا خلال سنتي 1932 و1935. وقد جاء هذا القانون الأخير كترجمة لرغبة السلطات العامة في القضاء على كل أشكال الحرمان داخل المجتمع، لذا لم يقتصر على الأجراء فقط بل شمل كل الفئات.
إلا أن إلزامية التأمين عن المرض ظلت غائبة في هذا القانون الذي كان من مميزاته أنه يشتمل على إجراءات احترازية في مجال الصحة والبطالة، في إطار نوع من التدابير التعويضية ضمن سياسة إعادة تنظيم البنيات الاقتصادية. ويرى البعض بأن ذلك كان بمثابة مرحلة مفصلية تميزت بميلاد نظام اجتماعي تتحمل بموجبه الدولة مسؤولية توفير الخدمات الاجتماعية The birth of American welfare state . وسيتم تعزيز تلك القوانين سنة 1965 بالتأمين الصحي من خلال نظام الحماية الصحية ومؤسسات العناية أو المساعدة الطبية: Medicare or Medicaid . وتشتمل الأنظمة الضمانية في الولايات المتحدة على آليات لحماية المكفوفين والعجزة والشيوخ والعائلات الفقيرة والمعاقين والأطفال المتخلى عنهم ، وبعض هذه الحالات سيتم جمعها في نظام إيراد الضمان التكميلي Supplemental Security Income ( SSI) .
وتحت وطأة الرأسمالية المتقدمة Advanced Capitalism ونمو الاقتصاد العالمي وتزايد المنافسة و ضغط الإنفاق الاجتماعي تطلب الأمر إيجاد حلول سريعة وملائمة لمسألة الضمان الاجتماعي الذي يكلف غاليا، وهو ما استدعى اللجوء إلى الاستعانة بالقطاع الخاص لتدبير هذا النشاط. ومع دخول الخوصصة في هذا المجال في أواسط السبعينات ظهرت عدة مؤسسات متنوعة ك"الخدمة الاجتماعية للأطفال"Child Welfare ، و"عناية اليوم" Daycare، و"العناية الطبية أو الصحية" Health – Nursing care، وقد وصلت مداخيل هذه المؤسسات 58 في المائة من مجموع اشتراكات الضمان الاجتماعي الفدرالية . إلا أن الضمان الاجتماعي في هذا البلد لا يزال يعاني من مشاكل مالية متفاقمة تلقي بظلالها على العديد من الخطابات الرسمية للمسؤولين الأمريكيين.
مع كامل الشكر والتقدير

JAMELJABER
July 21st, 2009, 11:44 AM
مشكور اخي جداااااااا
والله يعطيك العافية ويجزيك الخير على هاذا الجهد العطر
:36_3_12::36_3_12::36_3_12:

:36_3_12::36_3_12:
:36_3_12:

Saud
July 21st, 2009, 06:41 PM
الله يعطيكم العافية

على هالمعلومات الرائعة والشيقة

وشكلي بستفيد منها في بعض تقاريري في العمل هههههههههههههه

Majid
July 27th, 2009, 05:43 PM
دور الضمان الأجتماعي الكبير والمهم في مجتمعنا المعاصر، وضع ثقلا كبيرا على المشرعين في دول العالم، من حيث ايجاد النظم والقوانين الكفيلة لتحقيق أهدافه وزيادة رقعة اتساعه وايضا في ايجاد مصادر دخل كافية لتغطية نفقاته ، ،

يبدو واضحا أننا لم نصل بعد للنضج الكامل في تشريعات الضمان كما لم نصل بعد للآليات المناسبة لادارتها، فنرى وجود مدارس واتجاهات مختلفة في دول العالم، ونواجه في دولنا العربية تحديات اكبر لطبيعة العوامل الاقتصادية والديموغرافية التي تنبىء بوضع خطير في المستقبل القريب في مواجهة التزايد الكبير في اعداد المستفدين مقارنة بالمشتركين، ، وقد بدأت العديد من دولنا في اتخاذ خطوات إصلاحية في هذا المجال، ولكن ما زلنا نحتاج الى الكثير، فالتحديات التي تواجهنا وخاصة حول القدرة المالية لهيئات الضمان الاجتماعي تطرح العديد من التساؤلات ، واعتقد أننا نحتاج الى تعمق أكبر وفهم أعمق لتشريعاتنا وتجربتنا الاسلامية في ايجاد حلول مبدعة ،،